إعلان

الشرط الملزم لإنقاذ لبنان

المصدر: النهار العربي
علي حمادة
علي حمادة
دمار في مرفأ بيروت
دمار في مرفأ بيروت
A+ A-
 انتهت المبادرة الفرنسية التي قادها الرئيس ايمانويل ماكرون شخصياً الى الغرق في وحول الحياة السياسية اللبنانية التقليدية التي أطاحتها، ومعها الأمل الكبير الذي علقه اللبنانيون على مسارعة دولة أوروبية كبرى الى طرح برنامج إنقاذي أولي، يمنع انزلاق لبنان نحو القعر، لا سيما بعدما انهار الاقتصاد والعملة الوطنية، وتداعت مؤسسات الدولة اللبنانية الى حد بعيد، وتحوّل اللبنانيون عموماً شعباً فقيراً يعيش على حافة الجوع، حتى وصل الأمر الى انطلاق العديد من أبنائه في مغامرة البحث عن أمل جديد عبر قوارب الموت، تماماً كما فعل ويفعل السوريون كل يوم منذ سنة 2011. وهنا المفارقة الكبيرة، فلبنان الذي كان في الأعوام الماضية أرض لجوء لأكثر من مليون سوري هارب من ويلات الحرب والقتل والدمار، صار أرض هجرة لشبانه وشيوخه، لا فرق، بعدما ضاقت بهم كل السبل.

انتهت المبادرة الفرنسية الى إخفاق اضطر معه الرئيس ماكرون الى قول كلام عالي النبرة، وفي مكان ما مهين، للطاقم الحاكم في السلطة والمعارضة على حد سواء، حمّله فيه مسؤولية إفشال المبادرة الإنقاذية وإغراقها في لعبة تناتش الحصص السلطوية الضيقة، في بلد وصل الى حافة المجاعة وانهيار كل أمل بالإنقاذ بالوسائل السلمية.
 
ومع إخفاق الفرنسيين قبل نحو عشرة أيام في تنفيذ البند الأول من مبادرتهم، وهو تشكيل "حكومة مهمة" موقتة مؤلفة من اختصاصيين غير سياسيين، أصبحت الكرة في ملعب القيادات اللبنانية، لا سيما في ملعب الطرف الأكثر نفوذاً في البلد، هو الذي أطاح المبادرة الفرنسية، عنينا "حزب الله" الذي عمل على كسر قاعدة تشكيل الحكومة، من خلال الإصرار على الاستحواذ على وزارة المال التي تعتبر في لبنان بمثابة "التوقيع الثالث" في الجمهورية الى جانب توقيع رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة. أكثر من ذلك، ذهب "حزب الله" ومعه حليفه "حركة أمل" الى حد المطالبة باختيار وزراء الطائفة الشيعية، كما كان يحصل في الحكومات السابقة. بمعنى آخر، أعاد "الثنائي الشيعي" اللبناني اللعبة الحكومية الى قواعدها السابقة، دونما اكتراث بما نصت علية المبادرة الفرنسية من أن الحكومة يجب أن تكون مستقلة، وأن يشكلها رئيسها الاختصاصي أيضاً، على قاعدة الكفاءة، وعدم تقديم الولاء الطائفي والحزبي على عملها.
 
بالطبع حمّل الرئيس الفرنسي أطرافاً آخرين مسؤولية ارتكاب أخطاء، ولكنه فهم رسالة إغراق المبادرة في الشروط والشروط المضادة، ومحاولة إعادة عقارب الزمن في لبنان الى الوراء. فـ"حزب الله"، وبالتالي الإيرانيون، لا يستعجلون إبرام "صفقة" مع الفرنسيين في الوقت الضائع الذي يفصل المنطقة عن موعد الانتخابات الأميركية في الثالث من تشرين الثاني (نوفمبر)، ولا يستعجلون تقديم تنازلات في لبنان الذي يعتبرونه "قاعدة آمنة" لهم يديرها "حزب الله" بفائض القوة الذي يملكه، وبتواطؤ معظم القيادات السياسية، أو إذعانها أمام سيطرته شبه التامة على مقدرات البلاد. ومن هنا تزامنت إطاحة المبادرة الفرنسية مع سماح "حزب الله" للطاقم الحاكم في البلد بإطلاق جولة مفاوضات مع إسرائيل برعاية أميركية مباشرة لترسيم الحدود البحرية المتنازع عليها على خلفية استثمار الغاز الطبيعي الموجود في قعر البحر.
 
فبيد، ضرب الحزب المبادرة، وبيد أخرى استبدل بها تنازلاً للأميركي، وفي مكان ما، للإسرائيلي، لإمرار الوقت في انتظار اتضاح الصورة في واشنطن واستغلال تراجع الفرنسيين من أجل إعادة إنعاش "التسوية الرئاسية" التي  أوصلت حليف "حزب الله" الجنرال ميشال عون قبل أربع سنوات الى سدة رئاسة الجمهورية. ولا بأس في الوقت الضائع من تسهيل عودة رئيس الحكومة السابق سعد الحريري الى رئاسة الحكومة للاستفادة من غطائه السياسي والشعبي والطائفي على النحو الذي كان قائماً من الحادي والثلاثين من تشرين الأول (أكتوبر) 2016، ولغاية اندلاع الثورة الشعبية في السابع عشر من تشرين الأول (أكتوبر) 2019. وسيناريو "حزب الله" بالعودة الى الصيغة السابقة لـ"ثورة 17 تشرين" هو الأمثل بالنسبة اليه، لا سيما أنه شدد قبضته على القرار الوطني في البلاد، وعلى قرار الدولة بكل مؤسساتها، تاركاً للقوى الأخرى مساحة سياسية محلية للتنافس على المغانم والمكاسب التفصيلية بالنسبة الى تنظيم عسكري – أمني، يشكل جزءاً لا يتجزأ من "فيلق القدس" الإيراني المولج بالتدخلات الخارجية للنظام الإيراني.

ما لا يدركه "حزب الله"، أو من يدورون في فلكه في لبنان، هو أن إنقاذ لبنان دونه عقبات كبيرة. فوحده المجتمع الدولي (الغربي) الذي تقوده الولايات المتحدة، ويضم اليها الدول العربية الفاعلة في الإقليم، في قدرته أن يمنع سقوط لبنان الى القعر الاقتصادي والمالي. وحدهم هؤلاء في قدرتهم أن يعيدوا الأمل بلبنان من خلال مسارعتهم الى مد يد المساعدة، ولكن العقبة الأساسية تبقى حتى إشعار آخر، وبمعزل عمن يكون رئيس أي حكومة تشكل اليوم أو غداً، هي قبول الطبقة الحاكمة بسيطرة "حزب الله" على القرار الوطني اللبناني والتواطؤ معه لأجل مكاسب صغيرة. ومن دون ذلك سيبقى لبنان حيث هو، في عزلة واقعية لم تخرقها سوى مسارعة الرئيس الفرنسي الى إطلاق مبادرته السياسية – الاقتصادية – الإصلاحية في أعقاب الانفجار – الجريمة في مرفأ بيروت في الرابع من شهر آب (أغسطس) الفائت. 

ما لم يلمس المجتمع الدولي (بصرف النظر عن نتائج الانتخابات الأميركية المقبلة) أن الطبقة الحاكمة في لبنان بدأت مسيرة تحرر (سلمي) من نير الاحتلال الإيراني عبر ذراعه المحلية (حزب الله)، فلا رجاء في المدى المنظور أن تحرير لبنان من الاحتلال هو شرط ملزم لقيامته. وعلى القيادات اللبنانية كلها أن تدرك أن مرحلة البحث عن ذرائع لإحياء صيغة قديمة ولّت الى غير رجعة والباقي تفاصيل.  
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم