إعلان

نظريّة مؤامرة أم حقائق كونيّة؟

المصدر: النهار العربي
د.خالد باطرفي
د.خالد باطرفي
اسرائيل ردت على صواريخ "حزب الله" بقصف مناطق غير ماهولة أيضا
اسرائيل ردت على صواريخ "حزب الله" بقصف مناطق غير ماهولة أيضا
A+ A-
 
غرد وزير الدولة السابق للشؤون الخارجية السعودية،  الدكتور نزار عبيد مدني، أنه بات اليوم لا يستبعد نظرية المؤامرة في ما يجري من حوادث شرق أوسطية، وفي المنطقة العربية. 

أثارت التغريدة ردود فعل تجاوزت منصة "تويتر" الى منصات ومنتديات أخرى، بين غالبية مؤيدة، وقلة معارضة. وبقي الخلاف، بالطبع، حول ماهية المؤامرة وضحاياها، والمتورطين والمستفيدين منها. 

والحقيقة أن ما يجري من حوادث في منطقتنا يحيّر الخبراء ويضطرّنا الى تفسيرات غيبية أو تنظيرية تشكل سياقاً يساعد على فهمها. فالسياسة هي فنّ الممكن، والعلاقات بين الدول لا تحكمها عداوة دائمة أو صداقة دائمة، بل مصالح دائمة. وهناك من يرى أن توصيف هذه القوى المحركة وتكتيكاتها المتبدلة بحسب المتغيرات والمستجدات، هو تحجيم وتقزيم لها، وتأطير لا يأخذ بالاعتبار واقعيتها، واستراتجياتها، ديناميكيتها وتداعياتها. 

نظريّة أم حقائق كونيّة؟
لست مع اللجوء الى هذا الحل لتفسير كل غامض، لأنه في كثير من الأحيان هناك مخرج مريح لكل مذنب وكسول. فقد بقينا عشرات السنين نحمل كل نكسة وفشل على مؤامرة كونية ضدنا. وخطورة ذلك أنه يبقينا في دوائر الراحة واليأس، ويسمح للمتسببين بمواصلة الجرم وباستمرار الحال. 

على أنني، مثل الوزير مدني، لم أعد أستبعد وجود مؤامرة تورط فيها بعضنا، ونتحمل مع الأطراف الخارجية ذنبها. كما لا يعفينا ذلك من تحمل مسؤولية مواجهة المؤامرة والمتآمرين، والقيام بما يترتب علينا لفضحها والانتصار عليهم. وأتفق في الوقت نفسه مع من يرى أن توصيف الأمر بالنظرية يغيّب حقائق كونية تتصل بالمصالح  المتضاربة والمتقاطعة، والدوافع المحركة والاستراتجيات المنفذة، بغضّ النّظر عن التحوّلات الآنية للعبة السياسية واللاعبين، والدائمة لقوانينها وعقائدها. 

خطف السّفن في بحر عُمان
لنأخذ الحوادث الأخيرة مثلاً وندرسها بهذا المنظور. هناك تصعيد سريع وجديد في بحر عمان. ولاستبعاد المصادفة أو عدم الترابط، نشير هنا الى أن عمليات مهاجمة السفن وخطفها تمت في عضون أيام، بدءاً من الاعتداء على السفينة اليابانية المملوكة لشركة إسرائيلية من دون متفجرة، أسفر عن مقتل بريطاني وروماني، وانتهاءً بمحاولة اختطاف ست سفن شحن في المنطقة نفسها وبالأسلوب نفسه. وأكدت شهادات البحارة ومعلومات استخبارية أميركية وبريطانية وإسرائيلية تورط الحرس الثوري الإيراني. ودانت مجموعة السبع، الدول الصناعية والاتحاد الأوروبي، هذا الاعتداء وحمّلت إيران مسؤوليته. 

وفي الوقت نفسه صدرت في طهران أحكام قضائية بالسجن على إيرانية تحمل جنسية بريطانية، وسحبت إيران عرضها لتبادل سجناء أميركيين وبريطانيين وغربيين مع سجناء إيرانيين، معظمهم متورطون في قضايا إرهاب وتجسس في السجون الأوروبية. كما واصلت الميليشيات العراقية تهديدها باستهداف القوات الأميركية والحليفة المنسحبة والمقيمة.  

صيحات الحرب 
صعّدت الدول المعنية لهجتها، وهدّدت بالانتقام في عملية عسكرية مشتركة. ثم تراجعت وقررت التركيز على محادثات الاتفاق النووي في فيينا وترك مهمة الرد لإسرائيل. ومن جانبها، خفّفت إسرائيل من لهجتها وتناست تعهدها الرد العسكري، وقررت "الاحتفاظ بحق الرد في المكان والزمان المناسبين". وفي الوقت نفسه، تباعدت الضربات الجوية على مواقع الحرس الثوري الإيراني في سوريا، واستبدلت بها طلعات اسكتشافية في جنوب لبنان لم يحاول "حزب الله" التعرض لها. 

صيحات الحرب انتهت بتصريحات التهدئة، وصمت السلام، وهكذا ينتهي التصعيد الكلامي في كل مرة بين القوى الغربية وإيران، فالكلاب التي تعوي لا تعض.   

التّصعيد "الرّمزي" في لبنان
ما إن توقفت الهجمات البحرية، حتى بدأت هجمات صاروخية في لبنان ضد إسرائيل، ولكن برمزية عالية، إذ سقط عدد من الصواريخ عمداً (بحسب رواية "حزب الله") في مناطق غير مأهولة، وأسقطت بعضها القبة الحديدية الإسرائيلية. وردت تل أبيب بطلعات وهجمات لم تسفر عن ضحايا، وتوقفت في مرحلتها الأولى لرغبة القيادة الجديدة في عدم التصعيد، ولعدم تسجيل أي إصابات أو خسائر. تأتي هذه المماحكات "الصورية" في وقت ارتفعت حدة مطالبة المجتمع الدولي والجمهور اللبناني بمحاكمة المتورطين في تفجير ميناء بيروت، وحل الأزمة السياسية والاقتصادية، ومحاربة الفساد. 

يتم ذلك فيما تعيد أميركا وحلفاؤها أفغانستان الى عهدة "طالبان" وحليفتها إيران، بعد عشرين عاماً من الهيمنة الغربية والحرب الضروس مع حلفاء "القاعدة" و"داعش"، فيما التزم اللاعبون الرئيسيون في المنطقة المجاورة، روسيا والصين وباكستان والهند، مقاعد المتفرجين، رغم أهمية التطورات وتأثيرها المباشر في أمنها الداخلي والمكوّنات المسلمة. وهكذا تتسلم إيران مقاليد الهيمنة على بلد مسلم سني آخر، بلا قتال أو حتى قرع طبول. كما تواصل أميركا وحلفاؤها الانسحاب من منطقة الشرق الأوسط وخلق فراغ أمني في مواقع تسعى إيران للسيطرة عليها. 

 
الشّريط الزّمني
يشير شريط الحوادث الى أنها بدأت بعد فوز الرئيس الإيراني الجديد، والمرشح لخلافة المرشد الأعلى، إبراهيم رئيسي، وانتهت بالهدوء المطبق قبل حفل التنصيب الذي حضره ممثلو عدد من الدول الغربية والعربية. كما لا تفوتنا ملاحظة أن إيران اختارت مسرح العمليات البحرية مقابل الساحل العماني لأول مرة، بعدما اعتادت أن يتم ذلك في مضيق هرمز ومقابل الساحل الإماراتي. وقد أحرج ذلك دولة صديقة ومقربة لطهران، واضطرها الى إرسال بحريتها وطيرانها لمراقبة منطقة العمليات. 

وإذا عدنا للشريط الزمني فسنلاحظ أن ذلك تم بعد التقارب السعودي - العماني، والإعلان عن تطوير مشترك لميناء دقم على بحر عمان والربط البري بين البلدين، بما يسمح بتصدير المنتجات السعودية مباشرة الى البحر المفتوح دون الحاجة للمرور بمضيق هرمز والممرات المائية التي تهددها البحرية الإيرانية في الخليج العربي!

خيوط المؤامرة
كيف يمكن أن لا نشتمّ رائحة مؤامرة في كل ما يجري؟ كيف لا نستشعر حراك القوى الفاعلة ونلمس دينامكية المصالح المتقاطعة والمتضاربة، ونسترجع حقائق التاريخ وانعكاساتها على الحاضر، ونستنبط استراتجيات المستقبل؟ كيف لا نربط حاضر العلاقة الغربية - الإيرانية بالدعم الأميركي - الفرنسي - البريطاني للثورة الخمينية وتمكينها في الحرب العراقية - الإيرانية، وتسليمها العراق بعد الغزو الأميركي في 2003؟ 

كيف نغفل السماح لطهران بالهيمنة في سوريا ولبنان والتدخل في اليمن، والتغاضي عن الاعتداءات المباشرة على الحلفاء في المنطقة والممرات والمضائق البحرية الدولية، والتهاون في الرد على الهجمات الصاروخية على مواقع أميركا وحلفائها؟ كيف لا نلحظ السماح للملالي بتطبيع الإرهاب والبرنامج الصاروخي والهيمنة الإقليمية؟

كيف لا نربط هذا وذاك بمشروع الفوضى الخلاقة و"الربيع العربي" والشرق الأوسط الكبير؟ كيف لا نلاحظ أن جل هذه المشاريع يتم حصرياً في المنطقة العربية ولا يمتد الى تركيا وإيران؟ وأن قائمة المستهدفين والمتضررين منها تشمل الحلفاء العرب لحساب من يدعو "علناً" على أميركا وإسرائيل ويعلن الحرب "ظاهرياً" على الغرب والشيطان الأكبر؟ 

العمل العربي المشترك
أستلهم حكمة الأعرابي أن "البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير" فلا دخان بلا نار. وأن كل صاحب نعمة محسود، فكنوز منطقتنا الطبيعية، وإطلالاتها الاستراتيجية، ومكانتها الدينية، جعلتها عبر التاريخ مطمع الإمبراطوريات الشرقية والغربية. وتوافق القوى الدولية على تمكين إسرائيل وإيران والأقليات والطوائف المهادنة لم يكن إلا تنفيذاً لاستراتيجيات طويلة المدى لضمان مصالح المستعمر الجديد وهيمنته على المنطقة. 

التعرف على القوى المحركة، والمصالح المستهدفة، والخطط المعقودة، والاعتراف بهذا الواقع وتلك الحقائق يمثل الخطوة الأولى على طريق الحل. وبغضّ النظر عن التسميات، فالأمر تجاوز النظرية الى الحقيقة، والتساؤل الى القناعة، وعلينا، كأمة، الانتقال فوراً الى العمل الجماعي لتوصيف التحديات، وصياغة المواقف، والتخطيط المشترك لاستراتيجيات المواجهة. فحتى لو اتفقنا على أن الأوضاع يمكن توصيفها نظرياً وتحليلياً بالمؤامرة، فإن علينا كأمة أن ندرك أن الطوفان لا يستثني أرضاً، والسيف لا يفرّق بين الأعناق، والساعة الأخيرة توشك أن تدق .. فهل من يقظة؟ 
@kbatarf
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم