إعلان

إيران لا تفاوض في فيينا بل تمارس "لعبة المناطحة"!

المصدر: النهار العربي
يوسف بدر
المفاوض الايراني مغادرا مكان المفاوضات
المفاوض الايراني مغادرا مكان المفاوضات
A+ A-
خلال لعبة المناطحة، تقوم الثيران بتوجيه النطحات القوية بعضها الى بعض؛ وهكذا يمكن وصف المحادثات النووية الدائرة بين إيران ومجموعة 5+1 في فيينا، التي وصلت إلى جولتها السادسة، من دون أن تتوصل إلى نتائج بعد؛ إذ يصر كل طرف على اتخاذ موقف صلب وصارم؛ لتحقيق أهدافه من هذه المحادثات.

وقد انطلقت محادثات العودة الى الاتفاق النووي في نيسان (أبريل) 2021 في العاصمة النمسوية فيينا، بغية إنقاذ الاتفاق النووي المبرم عام 2015، وذلك بعد وصول الرئيس الأميركي الديموقراطي جو بايدن إلى البيت الأبيض ووعده بالعودة إلى هذا الاتفاق، الذي خرج منه سلفه الجمهوري دونالد ترامب.

جولة منتظرة
كان من المفترض أن يعود المفاوضون إلى فيينا لبدء جولة سابعة من المفاوضات، مطلع الشهر الجاري، إلا أن الخلافات حول القضايا الكبرى والتعنّت الشديد بين واشنطن وطهران حول هذه القضايا أديا إلى عرقلة تحديد موعد الجولة القادمة. حتى أن واشنطن اعتبرت أن التّعنت هذا هو من ناحية طهران، وليس من جانبها؛ فقد قال وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن في 29 حزيران (يونيو) الماضي: "إن حل الخلافات المتبقية في محادثات فيينا يعتمد إلى حد كبير على القرار الذي سيتخذه المرشد علي خامنئي في طهران". 

وهو ما يعني أن واشنطن ترى أن الكرة باتت الآن في ملعب طهران، وأن القرار هناك بيد المرشد الأعلى لا بيد أحد آخر. 

ولكن هذا لا ينفي أن قرار المرشد الأعلى ليس حراً تماماً؛ بل يراعي ويتحسس مواقف قوى النظام حوله من هذا الاتفاق النووي، بخاصة أن معسكر المحافظين بات يسيطر على كل أوجه السلطة في إيران، بعد وصول الرئيس المحافظ إبراهيم رئيسي إلى مقعد الرئاسة.

تشاور في طهران
التصريحات التي أعلنها المتحدث باسم الخارجية الألمانية فيتز برويل بأن طهران طلبت وقتاً للنشاور داخلياً قبل استئناف مفاوضات فيينا، تؤكد ذلك التصور القائل بأن الأميركيين والأوروبيين يضعون إيران بين خياري "نعم" أو "لا". خشية من تمادي المفاوضات من دون الوصول إلى نتائج، بخاصة أن واشنطن تستعجل إنهاء هذه المحادثات للتفرغ لملفات أخرى تربط باستراتيجيتها الجديدة "نحو آسيا".

ويبدو أن تأخر مشاورات طهران الداخلية، للرد على نتائج الجولة السادسة من مفاوضات فيينا، يرجع إلى أن عملية التشاور هناك باتت معقدة ومُركبة؛ فبعدما عاد كبير المفاوضين الإيرانيين، عباس عراقتشي، إلى طهران لوضع نتائج المحادثات أمام "المجلس الأعلى للأمن القومي"؛ لاتخاذ القرار المناسب؛ ظهرت لجنة أخرى للتشاور باسم "لجنة تطبيق النص النهائي للاتفاق المحتمل بين إيران ومجموعة 4+1".

ومن الواضح أن الهدف من هذه اللجنة هو هيمنة الحكومة الإيرانية الجديدة (تتسلم مهامها في آب المقبل)، بقيادة إبراهيم رئيسي على قرار الاتفاق النووي؛ لأنها هي الحكومة التي سترث نتائج هذا الاتفاق إن تم أو فشل. 
وتتشكل هذه اللجنة من المساعد الاستراتيجي للمجلس الأعلى للأمن القومي علي حسيني تاش، والمساعد السابق لأمانة المجلس الأعلى للأمن القومي علي باقري، وكلاهما ممثلان للرئيس الإيراني الجديد. إلى جانب أعضاء يمثلون المجلس الأعلى للأمن القومي والبرلمان والحكومة الحالية برئاسة حسن روحاني. 
وتعمل هذه اللجنة تحت مظلة المجلس الأعلى للأمن القومي، ومهمتها مراجعة الاتفاق النهائي في فيينا مع "قانون العمل الاستراتيجي لرفع العقوبات وحماية حقوق الأمة الإيرانية"، ومع قرارات البرلمان المتعلقة بالبرنامج النووي، وتوجيهات المرشد الأعلى وأوامره.

وهذا التعقيد في التشاور، يدل الى أن المرشد الأعلى علي خامنئي، يريد من الحكومة الإيرانية الجديدة أن تتحمل مسؤوليتها تجاه الاتفاق النووي في حالة رفضه أو قبوله. وهذا الأمر قد يصعّب من عملية اتخاذ القرار حالياً، وقد يُرجئ العودة إلى الاتفاق النووي إلى مرحلة ما بعد تسلم رئيسي السلطة؛ إذا ما شعرت إيران أنها لم تحصل على ما تريده من هذا الاتفاق. وأكد رئيسي من قبل، أنه لن يسمح بإجراء "مفاوضات من أجل المفاوضات"، وأن أي محادثات يجب أن تضمن المصالح الوطنية، وأن تؤدي الى تحقيق "نتائج" من أجل الشعب الإيراني.

وقد وضع المرشد الأعلى علي خامنئي، سياسة نهائية للتفاوض مع واشنطن، إذ قال خلال خطابه في 7 شباط (فبراير) 2020: "إذا أرادوا أن تعود إيران إلى التزاماتها في إطار الاتفاق النووي، يجب على الولايات المتحدة أن ترفع العقوبات كلياً، ليس بالكلمات أو على الورق بل عملياً". 

المطالب الكبرى
وصف الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب الاتفاق النووي، بـ"الكارثي"، وبأنه سيؤدي إلى سباق تسلح نووي في الشرق الأوسط، وأن الاتفاق عجز عن منع أنشطة إيران لزعزعة الاستقرار ودعم الإرهاب في المنطقة. ولذلك خرجت الولايات المتحدة من هذا الاتفاق.

وبرغم أن إدارة الرئيس الحالي عازمة على العودة إلى الاتفاق مع إيران جدياً؛ لكنها أيضاً تصر على مناقشة نقاط الخلاف الكبرى التي بسببها خرجت واشنطن من الاتفاق النووي، وعلى رأسها مسائل مثل برنامج إيران البالستي وسلوك إيران الإقليمي، بخاصة أن واشنطن تعرف أنه من دون مناقشة مثل هذه المسائل، لن تضمن الاستقرار لهذا الاتفاق. ولذلك واجهت إدارة بايدن في الأيام الأخيرة ضغوطاً شديدة من جانب دول حليفة مثل السعودية وإسرائيل.

لكن حلفاء واشنطن يدركون مدى جدية بايدن في العودة إلى الاتفاق النووي؛ ولذلك تعاملوا على أن هذا أمر واقع، وكل ما عليهم هو كيفية تحويل هذا الاتفاق إلى مكسب لهم. ولذلك دخلت السعودية في محادثات مع إيران استضافها العراق سراً. وأيضاً، كثّفت إسرائيل من مشاوراتها مع البيت الأبيض بما يضمن المشاركة في صوغ الاتفاق الأخير مع طهران، بما يخدم مصالحها وأمنها.
 
وبالنسبة الى إيران؛ فهي تصر على عدم تضمين محادثات فيينا ما هو خارج القضية النووية، وبالتالي لن تقبل بالنقاش حول سلوكها الإقليمي والملف الصاروخي. وعلى هذا الأساس، بينما هي تصر على الرفع الكامل للعقوبات؛ لن تقبل واشنطن ذلك؛ وستُبقي على العقوبات المتعلقة بالقضايا خارج الموضوع النووي. 

ولذلك ستظل طهران في دائرة الحوار والنقاش مع واشنطن إذا ما أرادت تحرير تجارتها الخارجية والانفتاح مع العالم لدعم اقتصادها. وبذلك يكون الهدف من الإصرار الأميركي على الإبقاء على بعض العقوبات هو ترويض السلوك الإيراني في المنطقة.

الخطة "ب"
الإصرار الأميركي على العودة إلى الاتفاق النووي يتماشى مع الرغبة الأوروبية في إنجاح الاتفاق النووي. فضلاً عن تماشي سياسة بايدن مع نهج السياسة الأوروبية تجاه إيران، التي تعتمد على التهديد بالعقوبات بدلاً من خيار الحرب. 
ولذلك، إذا ما انتهت محادثات فيينا من دون نتائج؛ فإن الدول الأوروبية ستفعّل الخطة "ب" لإعادة العقوبات على إيران؛ لممارسة مزيد من الضغط عليها، إذ إن طهران هذه المرة هي التي رفضت العودة إلى مسار الاتفاق النووي. وبالتالي لن تستطيع الدول الأوروبية مساعدتها مثلما حاولت حينما خرج ترامب من الاتفاق النووي.

لعبة مناطحة
ما كشفته الحوادث التي أحاطت محادثات العودة الى الاتفاق النووي في فيينا، يدل الى أن طهران كانت تدير هذه المحادثات وهي لا تدرك قيمة الحصول على اتفاق استراتيجي يضمن لها تحقيق مصالحها لفترة طويلة الأمد؛ فهي لم تكن تبدو محادثات قائمة على المصالح المتبادلة؛ بل قائمة على لعبة التناطح والمناورة المتبادلة. والسبب يرجع في ذلك إلى طبيعة النظام الإيراني الذي يحدد سلوك هذه الدولة. 

فقد استمرت إيران في تحريك ميليشياتها المسلحة في العراق ضد الأهداف الأميركية، وتزويد هذه الميليشيات بالأسلحة المتطورة؛ ما دفع واشنطن للرد على هذه الميليشيات بهجوم موسع.
كذلك، شرعت إيران في إنتاج صفائح وقود معدنية من اليورانيوم المخصب بنسبة 20%، وهو ما يمثل خطوة خطرة نحو إنتاج السلاح الذري. الأمر الذي دفع الولايات المتحدة، يوم الجمعة 9 تموز (يوليو)، إلى فرض عقوبات على 8 شركات أرسلت معدات أميركية للمساعدة في تطوير البرنامج العسكري الإيراني.

المحصلة

إن الرئيس الإيراني الجديد إبراهيم رئيسي، يشارك من الآن فعلياً في إدارة محادثات فيينا، ولا ينتظر حتى حلول موعد حكومته في آب؛ وذلك من خلال لجنة "تطبيق النص النهائي للاتفاق النووي". 

إن السلوك المقلق الذي مارسته إيران تجاه دول المنطقة منذ وصول الرئيس بايدن، هو بمثابة تأكيد من إيران لسياستها ودعمها حلفاءها من الميليشيات المسلحة. وإن هذا السلوك لن ينتهي بالعودة إلى الاتفاق النووي؛ بل يمكن توقع المزيد من التهديدات والتوسع في دعم الميليشيات. وتريد طهران الاستثمار في هذا السلوك؛ إلى درجة المساومة مع الولايات المتحدة، بخاصة أن طهران لديهما طموحات اقتصادية تتعلق بالوصول إلى الأسواق الأوروبية والآسيوية.

إن الرئيس الإيراني الجديد، وإن كانت لديه ميول تجاه القوى الشرقية مثل روسيا والصين؛ لكنه لن يستطيع إنقاذ اقتصاد بلاده من خلال هذه القوى؛ إذ لن تسمح الولايات المتحدة له بذلك. وتعتبر تجربة العقوبات الأميركية على الصين وروسيا وفاعلية تأثيرها عليهما، دليلاً على قدرة واشنطن في منع ذلك. فضلاً عن أن قضية إنقاذ الاقتصاد الإيراني هي المهمة الأولى للرئيس الجديد، كما خطط المرشد الأعلى، ولا سبيل لتحقيق ذلك إلا بالعودة الى الاتفاق النووي. 
ويشير تقرير "أويل برايس" في 28 حزيران الماضي، إلى أن إيران تواجه انخفاضاً حاداً في احتياطي الذهب والنقد الأجنبي، وصل إلى 10 مليارات دولار. وهو أمر يهدد بشل الدولة الإيرانية واندلاع انتفاضات الداخل. 
إلى جانب أن إيران تواجه أزمات كبيرة، منها الجفاف ونقص المياه وتفشي وباء كورونا. وكل هذه القضايا تحتاج إلى دعم الاقتصاد أولاً، من أجل معالجتها.

إن المشكلة مع إيران لا تكمن في الاتفاق النووي؛ بل في سلوك الدولة الإيرانية؛ فبينما العالم يترقب نتائج اجتماعات فيينا؛ لم تتوقف إيران عن إزعاج جيرانها في الخليج، مثل السعودية، من خلال تهديدات الطائرات المسيرة التي أرسلتها الى جماعة "الحوثي" الموالية لها في اليمن.

إن خطة الرئيس جو بايدن، سواء من خلال التوصل الى اتفاق نووي، أم من خلال الخطة البديلة في حالة فشل المحادثات؛ هي احتواء البرنامج النووي الإيراني، ومنع إيران من الوصول إلى العتبة النووية.

إن التوصل لاتفاق نووي؛ لا يعني أن المجال بات مفتوحاً أمام إيران لكي تلتهم المنطقة؛ فالعقوبات ستستمر، ما دامت طهران لا تريد التفاوض حول القضايا التي هي خارج الموضوع النووي، مثل التهديدات الإقليمية والصواريخ البالستية.

إن إدارة بايدن تراهن على سياسة الاحتواء النووي لكسب الوقت في تغيير سلوك إيران من أجل تهيئتها لاتفاق شامل يضمن أمن حلفائها في مرحلة ما بعد انتهاء الاتفاق النووي. وإن لم تستجب طهران لذلك؛ فاحتمال وقوع مواجهة عسكرية أمر محقق، بسبب أن بعض الدول ما زالت تشعر بتهديد وجودي من سلوك إيران.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم