إعلان

"سلام على إبراهيم".. هل يكون رئيسي المُخلّص للنّظام في إيران؟!

المصدر: النهار العربي
يوسف بدر
يوسف بدر
خامنئي ورئيسي
خامنئي ورئيسي
A+ A-
تدل معظم المؤشرات الانتخابية في إيران، الى أن المرشح الرئاسي إبراهيم رئيسي هو المرشح الأوفر حظاً للفوز في هذه الانتخابات التي ستُجرى يوم 18حزيران (يونيو) الجاري. ويتعزز هذا الفوز بسبب غياب مرشح إصلاحي قوي، وبالتالي غياب الناخبين الإصلاحيين عن المشاركة الانتخابية، وترك الساحة خالية للمحافظين والمتشددين. ولكن لماذا يلتف المحافظون حول إبراهيم رئيسي؟

معضلة النّظام!
يقوم النظام في إيران على أساس هرمي؛ يقف على قمته المرشد الأعلى الذي يمثل منصب "الولي الفقيه"، وهو النواة الأساسية لقيام نظام الجمهورية الإسلامية في إيران، بعد إطاحة النظام الملكي (الدولة البهلوية) وتأسيس نظام ولاية الفقيه (حاكمية الفقيه في عصر الغيبة للإمام المهدي).

والمرشد الأعلى الحالي علي خامنئي يتولى منصب ولاية الفقيه، وهو في منصبه منذ عام 1989، وقد تجاوز عمره الثمانين، وسط أحاديث متكررة عن تردي أوضاعه الصحية واقتراب رحيله. وهو ما يعني أن النظام سيبحث عن مرشد جديد، يقوم مجلس الخبراء باختياره للوقوف على رأس هذا الهرم.

وقد دارت الأحاديث عن إلغاء منصب المرشد الأعلى وتحويله مجلساً قيادياً، منذ عام 2015، وقاد هذه الفكرة الرئيس الراحل هاشمي رفسنجاني. وهو ما جعل أنصار النظام يقلقون على مستقبلهم في حال تفكيك المنظومة التي يقوم عليها النظام الحاكم في إيران، إذ يرهنون مستقبلهم وتحقيق مشروعهم والدولة التي بشروا بها باستمرار نظام ولاية الفقيه.

كانت حكومة الرئيس الحالي حسن روحاني انتصاراً للإرادة الشعبية، وهو ما أقلق المحافظين والمتشددين، من هيمنة الإصلاحيين والمعتدلين على مستقبل الدولة الإيرانية؛ ولذلك تربّصوا بهذه الحكومة وأفشلوا اتفاقها النووي مع الغرب، وزادوا من عزلتها الاقتصادية؛ لأنهم يتكسبون من هذه العقوبات؛ ولأن نجاح الإصلاحيين وضعف المحافظين كانا سيساعدان على تمرير سيناريو إطاحة منصب المرشد الأعلى، بخاصة أن بقاء المرشد الحالي في السلطة لمدة طويلة جعل معظم الإيرانيين الساخطين يرون أن خلاص إيران هو في الخلاص من خامنئي، ولذلك في السنوات الأخيرة تكرر سماع شعار "الموت لخامنئي". 
وإن تحقق ذلك؛ فلن يقبل الإيرانيون بعودة مرشد آخر بعد خامنئي، بخاصة أن المرشد الأعلى يبقى في منصبه إلى حين وفاته، ولا يمكن عزله إلا من قبل مجلس الخبراء إذا ثبت عدم كفاءته. 

مُخلّص النّظام
لقد فقد الشارع الإيراني الثقة بالمحافظين والإصلاحيين على حدّ سواء؛ لأنه اكتشف أن يد الرئيس مغلولة أمام صلاحية المرشد الأعلى وأمام وجود حكومة ظل تتشكل من جنرالات الحرس الثوري ورجال الدين ومؤسساتهم الخيرية، الذين يعملون في كنف حماية المرشد الأعلى ويشكلون جزءاً من دائرة حمايته ومملكته الاقتصادية.

ولذلك، تأتي الانتخابات الرئاسية هذه المرة كفرصة للخلاص من حكومة حسن روحاني، وفرصة أخرى لإعادة المحافظين إلى مقعد الرئاسة. فقد قام مجلس صيانة الدستور، وهو المخوّل منح الصلاحيات للمرشحين لدخول السباق الرئاسي باقتصار عدد المرشحين المقبولين على سبعة أشخاص؛ الغلبة فيهم للتيار المحافظ والمتشدد. وهو ما يعني فوز محقق لشخصية محافظة موالية لقيم نظام ولاية الفقيه، وأن منصب ولاية الفقيه ستظل استمراريته ضمانة لاستمرار هذا النظام وحماية لمصالح المنتفعين من وجوده. 

وبالنسبة الى المرشح إبراهيم رئيسي؛ لا يمكن الجزم حتى الآن، بأنه المرشح المنتظر لمنصب المرشد الأعلى بعد رحيل خامنئي، على الأقل في المرحلة الحالية، وقد تمثل فترة الرئاسة، فترة تأهيل لهذا المنصب. إلى جانب أن هناك شخصيات أخرى تنافسه على هذا المنصب، منها نجل خامنئي، مجتبى (52 عاماً)، الذي يعمل في الظل. 

وفترة الرئاسة بالنسبة الى رئيسي، ستكون فرصة له؛ لجذب المؤثرين في الجمهورية الإسلامية وتعزيز مصالحه مع المحافظين والحرس الثوري؛ وإلا فلن يستطيع التربع على عرش خلافة خامنئي ما لم يكسب هؤلاء إلى جانبه. فضلاً عن أن الفشل في منصب الرئاسة قد يقضي على فرصته في الوصول إلى منصب المرشد الأعلى.

لماذا رئيسي؟
يدور التساؤل: لماذا إبراهيم رئيسي هو الأوفر حظاً في هذه الانتخابات؟. والإجابة، إلى جانب تقربه من معسكر المرشد الأعلى، ووضوح أن الانتخابات تمت هندستها لمصلحة فوز المحافظين وهو على رأسهم. نجد هناك أسباباً أخرى تؤهله إلى هذا الفوز:

يتمتع رئيسي بخطاب شعبوي وخطاب براغماتي يستطيع أن يغير من طبيعته بحسب المواقف المختلفة وبين جماعة وأخرى، فنجده قد عَقد أُولى جلسات حملته الانتخابية في غرفة التجارة وسط أصحاب رؤوس الأموال، مدافعاً عن الخصخصة، ومطالباً بحل المشكلات التي تعترضها.

ثم في مدينة الأهواز - جنوب إيران ومعقل منافسه رضائي - نجده يقف بين أهل السنّة والعشائر والأقليات، ويسمي حكومته القادمة بأنها "حكومة شعبية" خادمة للشعب وليست مانحة للإعانات، ويتحدث عن عدم المساواة وغياب العدالة في توزيع الثروة.

والحقيقة أن الخطاب الشعبوي ينجح بين الشعب الإيراني خلال هذه المرحلة؛ لأن قسوة العقوبات والأزمات التي يعانيها المجتمع الإيراني عقب جائحة "كورونا" تجعل الشارع الإيراني يسعد بمن يحدثه عن آلامه واحتياجاته.

إلى جانب أن رئيسي منذ توليه منصب رئيس القضاء، وإعلام المحافظين يظهره بصورة المُخلّص للنظام الإيراني من الفساد والرشوة والرجل الذي لا يخاف من الفاسدين. حتى أنهم يرسمون هالة من القداسة حوله في الدعاية الانتخابية له، ويقولون "سلام على إبراهيم، محطم أصنام الفقر والفساد والتمييز". وهذه الملفات لم تستطع حكومة روحاني معالجتها، ما جعلها تخسر القاعدة الشعبية من الناخبين، ويستطيع مرشح مثل رئيسي كسبها بخطابه الشعبوي.

وبرغم أن رئيسي هو شخصية توافقية بين المحافظين أكثر من شخصيات منافسة أخرى له، مثل سعيد جليلي؛ لكن مع ذلك، لا يمكن الجزم المطلق بفوزه في هذه الانتخابات؛ فالأمر مرهون بحجم المشاركة في هذه الانتخابات، وبمدى عزوف الناخبين الإصلاحيين عنها.

معضلة الاقتصاد
الواضح أن المرشد الأعلى، علي خامنئي، يمسك جيداً بخيوط إدارة انتخابات الرئاسة؛ فالمفاوضات النووية الجارية في فيينا للعودة إلى الاتفاق المبرم في 2015 بين طهران ومجموعة 5+1 حول برنامج إيران النووي تجري بموافقة المرشد الأعلى ومتابعته، وتنتظر كلمة الفصل منه للوصول إلى اتفاق نهائي.

وبذلك، يكون على المرشحين التفرغ لعرض برامجهم الاقتصادية وإيجاد الحلول لمعضلة الاقتصاد الإيراني، بعيداً عن الرهان على الاتفاق النووي. ولذلك، سيكون للحديث عن مكافحة الفساد والشأن الاقتصادي النصيب الأكبر في الخطاب الانتخابي لهؤلاء المرشحين. 

وبالنسبة الى المرشح رئيسي، فالأمر فرصة له؛ إذ يجيد مغازلة أحلام الفقراء والكادحين، ورصيده العملي منذ توليه سلطة القضاء سيساعده على الإقناع. ويدرك رئيسي جيداً ما يخطط له المرشد الأعلى، ولذلك قال قبل دخوله السباق الانتخابي: "بدلاً من السعي الى التفاوض مع العدو، يجب أن نحل المشكلات الاقتصادية للبلاد من خلال إدارة القدرات البشرية والطبيعية إدارة صحيحة". وهو ما يصر عليه المرشد الأعلى خامنئي دائماً، ويكرره أنصاره.

وبينما يجيد رئيسي في خطابه كسب إعجاب المرشد الأعلى والجماهير؛ نجد المرشحين الآخرين إما غير قادرين على الحديث عن المعالجات الاقتصادية، وإما يطرحون حلولاً تواجه معضلات ويصعب تطبيقها؛ مثل المرشح علي رضا زاكاني الذي يرهن إصلاح الاقتصاد بدعم الإيرانيين المغتربين في الخارج، والمرشح عبد الناصر همتي الذي يعد بإصلاحات اقتصادية ليبرالية في بيئة دولة تعتمد على المركزية في إدارة مؤسساتها.

المحصلة
يعتبر إبراهيم رئيسي المرشح الأوفر حظاً في سباق الانتخابات الرئاسية؛ بخاصة أنه شخصية توافقية بين الكثيرين من المحافظين والعسكريين؛ لكن هذا لا يعني حتمية فوزه على الإطلاق؛ فالأمر مرهون بمدى إقناعه لمن سيذهبون إلى صناديق الاقتراع، بقوة برنامجه الانتخابي. ولحسن حظه أنه يجيد لغة جذب الجماهير والخطابات الرنانة، في وقت يشعر فيه المواطن الإيراني باليأس من إصلاح أوضاعه الاقتصادية.
 
كذلك يمثل هذا الترشح لرئيسي مقامرة كبيرة؛ فإما الحصول على منصب الرئاسة، ومن ثم يمكن العمل للوصول إلى خلافة المرشد الأعلى. وإما الفشل وظهور فرصة للمرشد للأعلى للخلاص من أحد منافسي نجله مجتبى على منصب الولي الفقيه/المرشد الأعلى.
 
خطاب رئيسي الشعبوي والمتغير، إلى جانب طبيعته المحافظة والمتشددة؛ يُصعّب من عملية الجزم بطبيعة سياسته الداخلية والخارجية في حال فوزه؛ وهو ما يطرح الكثير من المخاوف من دخول إيران إلى مرحلة الدولة المغلقة والمتشددة، يهيمن فيها المتشدون على جوانبها كافة.
 
من الواضح أن عملية هندسة الانتخابات الرئاسية الحالية ليكون الفوز فيها للمحافظين؛ هي محاولة إنقاذ لنظام ولاية الفقيه، في وقت سئم فيه الداخل من هذا النظام. وكذلك، استعداداً لمرحلة قد تنطلق فيها إيران تجاه العلاقات مع الغرب إذا ما توصلت طهران ومجموعة 5+1 إلى إعادة تفعيل الاتفاق النووي، وتم رفع العقوبات الخارجية.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم