إعلان

بايدن مستعجل على وضع أفغانستان في مرآته الخلفيّة

المصدر: النهار العربي
واشنطن- هشام ملحم
واشنطن- هشام ملحم
عناصر من "طالبان"
عناصر من "طالبان"
A+ A-
قبل ثلاثة أسابيع من الموعد المقرر لانسحاب القوات الأميركية من أفغانستان، وفقاً للاتفاق الموقع بين إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب وحركة "طالبان"، تبيّن مختلف المؤشرات الدبلوماسية والميدانية، أن فرص التوصل الى اتفاق موقت بين واشنطن و"طالبان" لتخفيف أعمال العنف، وتفادي حملة عسكرية واسعة ضد القوات الحكومية الأفغانية، شبه مستحيلة. من الناحية اللوجستية الصرف يستحيل سحب القوات الأميركية وتلك التابعة لحلف الناتو خلال بضعة أسابيع، لأن معظم العتاد العسكري والمعدات المدنية الأخرى لا يمكن شحنها جواً، من بلد غير ساحلي. وحتى الآن لم تفلح الولايات المتحدة في إقناع حركة "طالبان" بالمشاركة في مفاوضات مع ممثلين عن حكومة كابول للتوصل الى إقامة حكومة مشتركة بين الطرفين. 
 
ميدانياً، يخدم عامل الزمن حركة "طالبان" وقواتها التي تواصل إحراز الانتصارات حول المدن التي تسيطر عليها القوات الحكومية، وذلك في غياب "حملة الربيع" السنوية التي تهدد بها قوات "طالبان" مع حلول الأول من أيار (مايو)، والتي في حال حدوثها ستؤدي الى إنزال خسائر جسيمة بالقوات الحكومية. الولايات المتحدة لا تواجه حركة "طالبان" قوية وعنيدة وتتصرف وكأنها الطرف المنتصر الحتمي، بل أيضاً الرئيس الأفغاني أشرف غاني الذي يواصل إصراره على عدم تقديم أي تنازلات جذرية للحركة، برغم وضعه الميداني والسياسي المتدهور. وتبين قرارات إدارة الرئيس بايدن وإجراءاتها، بما فيها رسالة قاسية اللهجة بعثها قبل أسابيع وزير الخارجية أنطوني بلينكن الى الرئيس غاني، أن صبرها قد نفد مع حليفها الاسمي في كابول، وأن همّها الأساسي التوصل الى غطاء دبلوماسي يسمح لها، ولقواتها الحليفة، بالانسحاب خلال الأشهر المقبلة من أفغانستان، بعد حرب استمرت عشرين سنة انتهت بمأزق عسكري.
 
رسالة بلينكن الى الرئيس غاني التي اتسمت بالفظاظة وعكست عمق استياء إدارة الرئيس بايدن وإحباطها تجاه تعثر المساعي الدبلوماسية، أظهرت استعداد بايدن لعقد مؤتمر دولي حول أفغانستان ودعوة جميع جيران أفغانستان، بمن فيهم إيران، والدول الأخرى المعنية بالنزاع، للتوصل الى "تصور موحد لدعم السلام في أفغانستان". وبعدما كشف بلينكن عن عرضه الطلب من تركيا استضافة المؤتمر الأفغاني، طلب من الرئيس غاني أن يطوّر ما أسماه "مواقف بناءة" بهذا الشأن ليناقشها مع المبعوث الأميركي زالماي خليل زاد، وحضه على أن يظهر "قيادته الجدية" التي يتوقعها منه الرئيس بايدن. وأوضح بلينكن في رسالته أن إدارة الرئيس بايدن تريد تفادي مواجهة الحملة العسكرية التي تهدد "طالبان" بشنها في فصل الربيع.
 
وأنهى بلينكن رسالته القاسية للرئيس الأفغاني بتحذير ضمني ولكن بالغ الوضوح "مع استمرار مراجعة خياراتنا في واشنطن، فإن الولايات المتحدة لا تستبعد أي خيار. نحن ندرس الانسحاب الكامل لقواتنا مع حلول الأول من أيار (مايو)، كما ندرس الخيارات الأخرى".
 
ولمّح بلينكن الى أن مستقبل غاني وأفغانستان في غياب تسوية دبلوماسية قريبة سيكون قاتماً حين أضاف: "وحتى مع استمرار الدعم المالي من الولايات المتحدة إلى قواتكم بعد الانسحاب الأميركي، أنا أشعر بالقلق لأن الوضع الأمني سوف يزداد سوءاً، وأن حركة طالبان سوف تحقق تقدماً ميدانياً سريعاً. أنا أوضح لك هذا الأمر، لكي تدرك مستوى الإلحاح في نبرتي حول العمل الجماعي المذكور في هذه الرسالة". هذه الرسالة، أكثر من أي موقف آخر، تعكس عمق إحباط إدارة الرئيس بايدن في تعاملها مع إنهاء أطول حرب في تاريخ الولايات المتحدة، والتي يمكن أن تواجه خلال أسابيع قليلة، أول نكسة خارجية لها. 
 
وتبين مختلف التقارير السياسية والميدانية من كابول، أن حكومة غاني مقبلة على كارثة سياسية وعسكرية قريبة، لأنها غير قادرة على وقف الاستنزاف العسكري الذي فرضته عليها قوات "طالبان"، كما أنها تواصل خسارة حلفائها في الداخل. هذه العوامل السياسية والعسكرية خلقت في العاصمة الأفغانية مشاعر خوف مماثلة لتلك التي هيمنت عليها عشية اقتحام قوات "طالبان" كابول في أيلول (سبتمبر) 1996 لتسيطر عليها حتى الغزو الأميركي في 2001. 
 
ونشرت صحيفة "نيويورك تايمز" أمس مقالة لمراسلها في كابول تطرق فيها الى "الوضع اليائس" للرئيس غاني الذي تنحسر سلطاته باستمرار، في الوقت الذي يخسر فيه الدعم الخارجي. ويشير التقرير الى أن الولايات المتحدة تبعد نفسها عن غاني وتلتف حوله في اتصالاتها مع "طالبان" والقوى الإقليمية التي تتمتع بالنفوذ في أفغانستان، وذلك في الوقت الذي تحضّر فيه لسحب قواتها من البلاد.
 
الواضح من الجهود والمساعي الأميركية الراهنة، هو أن إدارة الرئيس بايدن، مثلها مثل الإدارات السابقة التي تعاملت مع المأزق الأفغاني، تدرك أن التوصل الى اتفاق سلام دائم في أفغانستان ليس ممكناً، وأن كل ما تريده في مفاوضاتها مع "طالبان" هو التوصل الى اتفاق "لتخفيف" مستوى العمليات العسكرية، وتحديداً تفادي حملة عسكرية تشنها قوات "طالبان" في الربيع. كما تريد إدارة بايدن في هذه المفاوضات إقناع "طالبان" بالموافقة على بقاء قواتها وقوات حلف الناتو لستة أشهر، حداً اقصى، تبدأ خلاله بسحب قواتها ومعداتها تدريجياً من أفغانستان، وهي عملية لوجستية صعبة تتطلب تعاون باكستان، وربما روسيا.
 
وهناك شبه إجماع في أوساط الخبراء العسكريين، والمحللين الاستراتيجيين، على أن حركة "طالبان"، هي الطرف العسكري والسياسي الأقوى في أفغانستان، وأنها  بشكل أو بآخر سوف ترث السلطة في كابول، ومعظم الأراضي الأفغانية بعد انسحاب القوات الغربية. قد لا تسيطر "طالبان" على كل المناطق في أفغانستان، كما لم تفعل في 1996، حين قاومتها بفعالية قوات الطاجيك بقيادة أحمد شاه مسعود، الذي اغتيل قبل يومين من هجمات أيلول (سبتمبر) 2001 على أيدي عناصر من تنظيم "القاعدة". ولكنها قطعاً ستسيطر على العاصمة كابول، لتعيد إعلان قيام إمارة أفغانستان الإسلامية.
 
تاريخياً، حكام كابول، إن كانوا ملوكاً أو عسكراً أو إسلاميين، يمارسون  "السيادة" على كابول وربما معظم مدن البلاد الأخرى، ولكن هذه السيادة تكون مفروضة بالاسم فقط على مناطق أخرى تسيطر عليها قبائل وأطراف إثنية أخرى مسلّحة تمارس الحكم الذاتي.
هذه التطورات الأفغانية تحدث على خلفية قناعة، أو ما يمكن وصفه بـ"مزاج" عام في واشنطن موجود في أوساط الحزبين، ويعكس تعب الطبقة السياسية من أعباء حروب جنوب آسيا والشرق الأوسط، والكلفة الباهظة للانتشار العسكري الأميركي في منطقة واسعة أظهرت بشكل سافر محدودية القوة العسكرية الأميركية. مقابل هذا المزاج، هناك رغبة أميركية قوية بتوجيه  قدرات الولايات المتحدة العسكرية والاقتصادية وتركيزها على منطقة شرق آسيا لمواجهة التحدي الاستراتيجي والاقتصادي الذي تمثله الصين الصاعدة، وهذا يعني سحب هذه الموارد والطاقات من الشرق الأوسط، لإرسالها الى الشرق الأقصى.
 
هذا المزاج هو وراء تخفيض الانتشار العسكري الأخير في السعودية، والاتفاق الأخير مع العراق لتخفيض عديد القوات الأميركية وتحويل مهامها هناك من مهام قتالية الى مهام تدريبية، وهذا هو المزاج الذي يفسر رغبة الرئيس بايدن في وضع أفغانستان وجميع ما تمثله من إرهاق وألم في مرآته الخلفية.

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم