إعلان

كي يستحيل تاريخنا الثقيل ثقلاً تاريخياً...

المصدر: النهار العربي
حسن إسميك
تعبيرية
تعبيرية
A+ A-
 
يبدو من سوء حظ الإنسان المعاصر أنه لم يُخلق من العدم كما هو حال سيدنا آدم، الذي بدأت به قصة البشرية بحسب ما نعتقده في الديانات الإبراهيمية، بل يولد هذا الإنسان اليوم حاملاً بيئة عقلية ومنظومة أفكار يفرضها عليه تاريخه وتراث آبائه وأجداده، قد تتحول في كثير من الأحيان إلى "عبئاً" ينوء تحته، ويعيق حريته في بناء كيانه الخاص، ولا سيما إذا ما ارتبط "عبء التاريخ" هذا، بعبء آخر يفرضه المكان، فتختم الجغرافيا التي ينتمي إليها حياته، وربما مستقبله، بماركتها المسجلة، لتضيق أمامه الخيارات وتنحصر قدرته وحريته، ويصبح الخروج على ما هو سائد موسوماً بالارتداد أو التخلي.
 
يولد الإنسان في كل أصقاع الأرض محملاً بأثقال الماضي، بَيد أن الإنسان العربي يكاد يكون أكثر من تجرّع مرارة هذا النوع من الأعباء، حتى صارت حضارة أسلافه وتفوقهم المعرفي يشكلان عبئاً عليه وهو القابع اليوم وسط فوضى "العالم الثالث" المستمرة منذ نحو قرن من الزمن، فلا ينفك يقارن نفسه بأجداده الذين عاشوا في ظل الإسلام الأول وما تلاه من حضارة عُظمى، بل إنه ينصب أمام ناظره مرآة أندلسية، فيضيفها إلى قائمة المقارنات بالرغم من بعده الجغرافي  والحضاري عنها.
 
لا يستطيع هذا العربيُّ الذي لم تتلاش داخله نزعة التفوق الحضاري التي عاشها أسلافه، أن يقدم اليوم للبشرية أعطيات على المستوى ذاته، يعود السبب في ذلك غالباً إلى أنه لم يستطع أيضاً التخلي عن خلافات ذلك الزمن، ولا حتى صراعاته، والتي لعبت الظروف السياسية الحالية على إظهارها وتعزيزها. والمثال الأبرز واضح وجلي وهو الخلاف "السني الشيعي" في منطقتنا.
 
يعود هذا النزاع غالبا إلى حوادث تاريخية مفصلية جرت على أرضنا العربية منذ قرابة خمسة عشر قرن مضت، فنعاني اليوم جميعاً من تأثيرات الخلاف على قيادة الدولة الإسلامية الأولى ما بين آل بيت النبي وبين صحابته، والذي تطور في مناسبات مختلفة إلى أن بلغ ذروته بمقتل الحسين بن علي الذي شكل أتباعه لاحقاً البنية السياسية للخلاف المذهبي بين الطرفين المسلمين.
 
استمرت التجليات العسكرية الواضحة لهذا الصراع في التاريخ حتى زوال الدولة العثمانية ونشوء الدول العربية بشكلها وحدودها الحالية، اذ حاولت هذه الدول أن تتخذ من انتمائها القومي العروبي ركيزة أساسية لبناء مستقبلها، ودونه أي انتماء ديني أو مذهبي. إلا أننا نشهد اليوم عودة لهذا "الصراع" في العديد من الدول العربية، لا سيما في سوريا والعراق ولبنان، حيث تعيد قوى إقليمية هذا الصراع إلى الواجهة، مستغلة الأوضاع الاقتصادية والمعيشية المتردية التي يعيشها الإنسان العربي في هذه الدول، فتزيد من الأخطار التي تهدد حياته وأمواله وعائلته، سواءً كان منتمياً إلى أحد هذين القطبين، أم إلى غيرهما من الأديان الإبراهيمية، فالمسيحيون مثلاً في سوريا ولبنان والعراق مهددون أيضاً بحكم انتمائهم الجغرافي، ما يثبت أن العربي يحمل عبء الجغرافيا أيضاً والذي لا ينفصل عن عبء التاريخ.
 
لكني، ورغم قتامة المشهد الذي يعيشه عالمنا العربي اليوم، لا أزال أرى أن الموروث التاريخي قادرٌ، إذا ما جرى استثماره بالطريقة الصحيحة، على أن يكون الحل أحياناً، وهذا ما حاول المفكرون العرب قبل الحرب العالمية الأولى فتح عيون الناس عليه من خلال تذكيرهم بمآثر الأجداد ليستحثوا روحهم القومية التحررية، فكتب الطهطاوي والكواكبي والبستاني، وغيرهم الكثير، وأعادوا قراءة ابن خلدون وابن رشد... وتغنوا بأشعار عنترة والمتنبي... ولم يهملوا الحضارة الغربية الحديثة، إلى أن استعاد العربيّ المسحوق في الدولة العثمانية أنفته وثار على واقعه المزري، ليحقق حلمه بإنهاء حكم مستبد استمر لأربعمئة عام، وبدأ تهيئة نفسه لمرحلة يعيد خلالها تشكيل التاريخ، قبل أن يصطدم بمشكلة الانتداب الأوروبي، الفرنسي والإنكليزي.
 
يتجلى هنا "العبء الجغرافي" الذي تعانيه هذه المناطق نتيجة استراتيجية موقعها وأهميته، ما يجعلها هدفاً يحاول الجميع السيطرة عليه. ولقد كانت دول المشرق العربي في ظلَّ الانتداب حائرة بين التمسك بهويتها ومقاومة المستعمر أو التماهي معه وهو الذي حمل إليها العلوم والفنون الحديثة التي تشغل عالماً كاملاً عَزَلتها عنه السلطات العثمانية. وحتى عندما "تشكلت هذه الدول من جديد" بعد الحرب العالمية الثانية وانتهاء عصر الانتداب، عانت من غياب التوازن ومن الانقلابات المتكررة ومن تأثيرات الحرب الباردة وصراع الأحلاف، ولم تشهد استقراراً في الحكم إلا متأخراً، كما في سوريا والعراق، بينما لم يشهد لبنان الاستقرار أبداً إلا لفترات قصيرة ومتباعدة.
 
في المقابل، امتلكت المناطق البعيدة عن مراكز النزاع الوقت لاكتشاف إمكاناتها والتخطيط لمستقبلها، فكان لما حملته من أعباء التاريخ والجغرافيا أثر إيجابي، واستطاعت بعد اكتشاف النفط، توظيف ثرواتها في تحسين كل جوانب الحياة لتصبح في آخر الأمر دولاً ذات ثقل سياسي يحسب له الحساب إقليمياً، بل وعالمياً كما هي الحال بالنسبة الى السعودية والإمارات العربية المتحدة.
 
ربما بدأت نهضة هذه الدول بـ "صدفة استراتيجية"، لكنها لم تستكن للأقدار، بل أعادت تشكيل هويتها لتربط ماضيها بإيجابياته دون سلبياته مع حاضر منشود يتصف بالإيجابية والعمل، فرسخت الاستقرار السياسي والاقتصادي اللذين كانا دعامة قيام الحضارة العربية المتفوقة قديماً، وعرفت أنه بغير الاستقرار لا يمكن استعادة الأمجاد.. وفي مقدمتها الأمجاد العلمية، وهذا ما عبر عنه أخيراً سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في رسالته الأولى التي وجهها الى العالم عندما أعلن عن المهمة الإماراتية (مسبار الأمل) بقوله: "إن الحضارة العربية لعبت ذات مرة دوراً كبيراً بالمساهمة في المعرفة الإنسانية، وستلعب هذا الدور مرة أخرى".
 
ينبغي اليوم إذاً على الدول العربية التي تعاني عبء تاريخها وثقله أن تحمل التاريخ على ظهرها بانتقائية، وأن تكون واعية إلى خطر من يستغل أحداث الماضي– سواء أكانت الخلاف "السني–الشيعي" منذ ما يزيد عن ألف سنة، أم الصراع العربي الإسرائيلي منذ مئة سنة أو غيرها– لتحقيق أهداف حالية، من هيمنة ونفوذ وتوسع في المنطقة العربية على حساب أهلها أنفسهم. لقد آن لنا أن نتوقف عن القتال في حروب غيرنا، ونتطلع إلى حروبنا نحن، حروب من نوع آخر تهدف إلى البناء لا التهديم، وإلى التنمية لا الخراب. علينا أن نرمي من ماضينا ما جلب لنا الهلاك والضعف ونحتفظ بما يحفزنا على المضي قدماً في طريق الاستقرار والبناء.
 
أخيراً... ينبغي إدراك أن كل دولة هي وليدة شروطها التاريخية، تتفاعل مكوناتها بما تمليه عليها موروثاتها من قيم واستنتاجات ومخاوف أيضاً، لكن هذا لا يعني الوقوف عند إعادة قراءة التاريخ، بل الانتقال منها إلى إعادة كتابته، والتحضير لمرحلة من الاستقرار بعيداً عن الموروثات السلبية، كي تُبنى فيها دول المؤسسات، ومجتمعات العلم والثقافة والاقتصاد المزدهر، وكي ينشأ فيها إنسان قادر على خطّ تاريخ جديد، يتحلى بالعقلانية والعصرية، والأهم من ذلك كله أن تقوم هذه الدول بفصل الدين عن السياسة في سعيها للتطور، لتقطع الطريق على كل من ينتقي المظلم من صفحات التاريخ ليعتم على الحاضر والمستقبل.
 
الكلمات الدالة