إعلان

حرب أوكرانيا تطيح بالاتفاق النووي ونيران روسيا تزلزل المنطقة...

المصدر: النهار العربي
ابراهيم حيدر
ابراهيم حيدر
جنود أوكرانيون يتدربون على صواريخ مضادة للدبابات. (أ ف ب)
جنود أوكرانيون يتدربون على صواريخ مضادة للدبابات. (أ ف ب)
A+ A-
كل المؤشرات تدل على أن الحرب الروسية على أوكرانيا مرشحة لأن تطول، إلى مرحلة يقتنع فيها أطراف الحرب بتسوية تحفظ مصالحهم وتعوّض الخسائر الناجمة عن أخطر مواجهة منذ الحرب الباردة. وإلى أن يحين ذلك الوقت ستكون التكلفة كبيرة على العالم، خصوصاً روسيا التي تتعرض لعقوبات لا سابق لها، فيما يدفع الروس خسائر كبيرة على الأرض أمام مقاومة الأوكرانيين الشرسة والتي تهيأوا لها، ومدّتهم الولايات المتحدة الأميركية والأوروبيون بوسائل دفاع مكنتهم حتى الآن من صد الغزو الروسي على الرغم من الدمار الذي حلّ ببلادهم. والواضح أن روسيا ستواصل معركتها لتحقيق إنجازات معينة وهي لن تتوقف إلا بتعويض تلك الخسائر وإخضاع أوكرانيا، وهي أساس التسوية التي يمكن أن تقنع فلاديمير بوتين بوقف الحرب.
 
استمرار الحرب الروسية على أوكرانيا انعكس على ملفات رئيسية في العالم، وأحدث تغييرات كبرى في التوازنات العالمية. وإذا كانت أزمات الاقتصاد والغذاء والنفط عالمياً باتت واقعاً وهي مرشحة للتفاقم، فإن الأكثر خطورة هو عودة الحرب بين أقطاب العالم، فحلف شمال الأطلسي (الناتو) استعاد توازنه بعد فترة من الانكماش، ليذكر بمرحلة الحرب الباردة، وانضمت إليه دول كانت في المعسكر الشرقي وهي على تخوم روسيا. وتركت الحرب تداعياتها على مناطق بعيدة ومنها دول المنطقة التي تترقب التطورات وما يمكن أن تُحدثه من تغيّرات وتأثيرات في ملفات أخرى، بما فيها سوريا حيث توجد قواعد كبرى للقوات الروسية تدير التوازنات فيها وتمنع اشتعال الجبهات بين إيران وإسرائيل.
 
ويظهر أن التأثير الأكبر للحرب كان على ملف المفاوضات النووية التي باتت شبه معطلة أو على شفا الانهيار، ويقال إن السبب هو المطالب الروسية بإعفاء موسكو من أي عقوبات غربية مستقبلية على تعاملاتها مع إيران، وأيضاً إصرار الأخيرة على أن إحياء الاتفاق النووي لا يمكن أن يحدّ من برنامج طهران الصاروخي وأنشطتها في المنطقة. ولذا تشترط إيران في التفاوض والاتفاق عدم تقييد قدراتها الدفاعية وسياساتها الإقليمية.
 
وصول المفاوضات إلى طريق مسدود وفق تقديرات دبلوماسيين، يعود في هذه اللحظة إلى تأثيرات الحرب الروسية على أوكرانيا والتغييرات التي أحدثتها في العالم، فحتى طهران باتت منزعجة من روسيا في حربها، وهي التي تسعى إلى إنجاز التفاوض مع الأميركيين على الاتفاق النووي، خصوصاً أنها وصلت الى مرحلة دقيقة وحققت تقدماً لا تريد إيران أن تخسره. إذ إن المطلب الإيراني الحالي هو رفع العقوبات الأميركية. لكن المفاوضات تعطلت ومعها توقيع الاتفاق بعد طلب الوفد الروسي المفاوض ضمانات أميركية وغربية مكتوبة، كي لا تشمل الإجراءات العقابية التي تتعرض لها روسيا تعاملاتَ إيران معها، بعد رفع العقوبات.
 
ربطَ الروس الاتفاق النووي بشروطهم وتمكنوا من عرقلة توقيعه، وهذه من أبرز تداعيات الحرب الروسية على أوكرانيا، والمرشحة أيضاً لأن تحرك جبهات أخرى وتطيح بملفات في أكثر من منطقة. وطالما لم تحقق روسيا أهدافها في أوكرانيا وتتعرض لعقوبات وخسائر، فهي لن تسمح بتمرير أي صفقة في المنطقة حتى لو كانت بطلب من إيران، لانتزاع ضمانات بإعفاء أي تعاون روسي مستقبلي مع إيران من عقوبات الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. ويستدعي الأمر إجراء تفاوض ثنائي روسي – إيراني، لكن موسكو لا يبدو أنها ستتراجع عن مطالبها، وهي لن تسمح بالتوقيع على الاتفاق النووي أو العودة إلى اتفاق 2015 من دونها، وستعطل أيضاً إمكان العثور على دولة أخرى، إن كانت الصين أو كازاخستان، لشحن فائض اليورانيوم المخصب من إيران، واستبداله باليورانيوم الطبيعي، أو العمل مع إيران لتحويل محطة فوردو النووية إلى منشأة بحثية.
 
وفي حال تعطل الاتفاق النووي سينعكس الأمر على التحالفات القائمة في أكثر من منطقة، خصوصاً في سوريا التي تشكل موقعاً حساساً لدول عدة، في مقدمها إيران، ثم إسرائيل التي تنسق مع روسيا عسكرياً في هذه المنطقة، ولا تريد لموقفها من الحرب الأوكرانية أن يؤثر في استمراره، خصوصاً أن إسرائيل تستهدف بالطائرات نقاطاً إيرانية وأخرى تابعة لـ"حزب الله" بموافقة روسية، أي أن القوات الروسية لا تتدخل في عمليات إسرائيل الحربية داخل الأراضي السورية، وهو ما يبدو أنها انتزعته خلال زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت الأخيرة إلى روسيا ولقائه فلاديمير بوتين، بمواصلة منع إيران من ترسيخ وجودها في سوريا.
 
يُمسك الروس بأوراق كثيرة في مواجهة الحصار الذي فرض عليهم بعد حربهم على أوكرانيا، وعلى هذا ستحاول الأطراف إحياء الاتفاق النووي الإيراني، من خلال البحث عن حل للمطالب التي تقدمت بها موسكو وتهدد المفاوضات، وإن كانت الولايات المتحدة لا تريد التواصل مع روسيا بشأنها، لكنها تعرف أن الأمور ستذهب إلى طريق مسدود.
 
كما أن إيران لا تستطيع معاداة روسيا وإن كانت منزعجة من مطالبها، خصوصاً بسبب موقع موسكو في سوريا التي تحاول طهران الإمساك بساحتها. لذا ستذهب مضطرة إلى النقاش مع الروس، فيما مثلاً ذراعها الأول في المنطقة أي "حزب الله" يدعو على لسان أمينه العام حسن نصر الله إلى التوجه نحو الشرق وروسيا، للتمكن من مواجهة الأميركيين في لبنان والمنطقة.
 
لا أحد يعلم طريقة توزيع الأدوار لأذرع إيران في المنطقة، فطهران مستاءة من الموقف الروسي حول الاتفاق النووي، فيما "حزب الله" يدافع عن روسيا في سوريا ولبنان بالنظر الى ما بعد الاتفاق في حال توقيعه، فقد قال نصر الله في خطابه الأخير: "لو كان حزب الله يهيمن على القرار في لبنان، لكان هناك من سنة ونصف سنة مصفاة نفطية تكرر 160 ألف برميل من النفط الخام، ولأنجز مشروع تكرير النفط الروسي في لبنان وتحول دولة مصدرة للنفط".
 
وللتذكير أن شركة "نوفاتيك" الروسية هي من ضمن كونسورتيوم شركات التنقيب التي فازت بمناقصات لبنانية، من دون أن تتمكن من البدء بعملها، وهي تتركز في منطقة الحدود البحرية المتنازع عليها بين لبنان وإسرائيل. وهناك شركة "روسنفت" الروسية التي فازت بمناقصة إعادة تأهيل وتشغيل مصفاة النفط في طرابلس، ولكنها لم تتمكن من العمل كذلك، ربما بسبب الضغط الأميركي. وفي هذه النقطة لم تستطع المشاريع الروسية التقدم في العمل في لبنان ولا في سوريا فعلياً وان كانت تسيطر عسكرياً بقواعدها الكبيرة.
 
لكن روسيا تستطيع أن تعطل بأوراقها، وطالما لم تحسم الحرب في أوكرانيا ستعمل على تحريك كل الجبهات وتعطل الملفات التي تؤثر في التوازنات في المنطقة، وربما تترك آثاراً واسعة ومزلزلة في العالم واقتصاداته وتهدده بعواقب فادحة. والبداية من تعطيل الاتفاق النووي...
 
Twitter: @ihaidar62
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم