إعلان

الحدّ الأدنى من الدّولة!

المصدر: النهار العربي
عادل بن حمزة
عادل بن حمزة
صعود اليمين المتطرف في اوروبا
صعود اليمين المتطرف في اوروبا
A+ A-
حدثان بارزان كان لهما تأثير كبير في العالم في العقد الأخير، الأول يتعلق بالأزمة المالية التي تحوّلت أزمة اقتصادية واجتماعية بآثار سياسية، كان أبرزها صعود تيارات أقصى اليمين والتيارات الشعبوية، والحدث الثاني يتجلى في جائحة كورونا التي عطّلت سنة 2020 وهي في الطريق لتعطيل سنة 2021، وربما قد يمتد تأثيرها المباشر إلى سنتين مقبلتين. المؤكد هو أن الأزمة المالية لسنة 2008 وجائحة كوفيد-19، شكلتا أهم اختبار واجهته الدولة في المرحلة المعاصرة، بخاصة من حيث موقعها ودورها، وقد تزامن ذلك مع حدوث تحول دال في ما خص النخب السياسية التي أصبحت مهيمنة على المشهد الانتخابي والحزبي في أهم معاقل الديموقراطية في العالم، أي أوروبا والولايات المتحدة الأميركية. 

في السياق ذاته، كان الفيلسوف الكندي آلان دونو يرسم ملامح هذا الوضع الجديد في مقدمة كتابه القيم «Mediocratie» الصادر سنة 2015. يقول دونو :"لا لزوم لهذه الكتب المعقدة، لا تكن فخوراً ولا روحانياً، فهذا يظهرك متكبراً، لا تقدم أي فكرة جيدة، فستكون عرضة للنقد، لا تحمل نظرة ثاقبة، وسع مقلتيك، أرخ شفتيك، فكر بميوعة وكن كذلك قابلاً للتعليب، لقد تغير الزمن، فالتافهون أمسكوا بالسلطة"!... فالعالم منذ نهاية القرن الماضي، عرف تحوّلات عميقة على مختلف المستويات، أصابت بالأساس الجوانب الاقتصادية التي كانت لها انعكاسات عميقة على مفهومي الديموقراطية والدولة ودور هذه الأخيرة ومن خلالها دور مؤسسات الوساطة التقليدية المتمثلة في الأحزاب السياسية والنقابات العمالية وغيرها، وما رافق هذه الوسائط من سرديات قدمت تصورها للدولة والمجتمع من زوايا مختلفة.
 
الأكيد أن جُل بلدان العالم تعيش هذه التحولات من دون امتلاك القدرة على التحكم فيها أو الحد من تبعاتها، فإذا كان الأمر على المستوى الاقتصادي يتم وفق عملية الاحتواء والدمج من جانب الرأسمال العالمي الذي بلغ درجة عُليا من التركيز في زمن تغوّل النيوليبرالية، فإن تبعات ذلك على المستوى الاجتماعي والسياسي يحتاج إلى بحث أعمق وإلى مساءلة نقدية، إذ يرى البعض أننا نعيش زمن الأفق ما بعد السياسي في ظل تراجع الفكرة الديموقراطية بتراجع أسسها الاقتصادية. 

أحد أسباب هذا التراجع يعود للصعوبات الموضوعية التي تواجه الالتزام بمضمون التعاقدات الانتخابية التي تشكل أحد الأسس التقليدية لبناء الشرعية وحيازة السلطة في أي نظام ديموقراطي، والتي تشكل عقداً بين الناخبين والحائزين السلطة في دورة انتخابية منتظمة، وهذه الصعوبات ترتبط بالتراجع التدريجي عن امتلاك القدرة الكاملة على التحكم في العرض الاقتصادي والاجتماعي الذي يمكن أن تقدمه أي حكومة منتخبة، وذلك نتيجة ضيق هامش التحرك على هذا المستوى بسبب تأثير المؤسسات المالية الدولية والشركات المتعددة الجنسية، التي أضحت فعلياً، وبنسب متفاوتة حول العالم، هي من يتحكم في الاختيارات الاقتصادية من دون أن تكون منتخبة ومن دون إمكان محاسبتها من جمهور الناخبين.

هذا الأمر يطرح اليوم ويفسر أزمة الديموقراطية التمثيلية وتصاعد مقاطعة العمليات الانتخابية والأحزاب السياسية في العديد من دول العالم... فالعديد من الشعوب تشعر بخيبة الأمل في النظام الديموقراطي الحالي والذي أثبت محدوديته، والناخبون يعتقدون اعتقاداً متزايداً أنهم لا يؤثرون في الاختيارات الاقتصادية والسياسات العمومية لبلدانهم، كما أن هذه الخيبة تتحول تحولاً متزايداً رهاناً على الخطابات المطلقة التي إما أنها تعكس وجهة نظر صاعدة من أقصى اليمين، وإما أنها تمثل تيارات اليسار الجديد والتي ترى أن الحل يكمن في التمرد على شكل الدولة الليبرالية القائمة على الاقتصاد الرأسمالي، وبين هذه "البدائل" يظهر تيار يركز على الخطاب الديني وفقاً لتفسيرات معينة بوصفها بدائل ممكنة، بخاصة في العالم الإسلامي، أثبتت هي أيضاً محدوديتها بخاصة بعد "الربيع العربي"، وقبل ذلك كان أونتوني غيدنز قد قدم أطروحة حول "الطريق الثالث" التي استهوت جزءاً معتبراً من الاشتراكيين الديموقراطيين، وبخاصة تجربة رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير مع حزب العمال، غير أن هذا التوجه سرعان ما تحوّل من خطاب بديل للعولمة السائدة، مجرد صيغة توفيقية تسعى إلى حد أدنى من أنسنة النيوليبرالية المتوحشة كما يقول شانتال موف في نوع من الاستسلام الذي يقوّض أي طموح لقيام بديل حقيقي.

المؤسف اليوم في المنطقة التي ننتمي إليها، أننا نسعى وراء الديموقراطية كمن يسعى وراء قط أسود في غرفة مظلمة. في الوقت الذي تعيش فيه الديموقراطية أسوأ مراحل تطورها بالشكل الذي أصبح فيه الحديث عن "ما بعد الديموقراطية" أمراً راهناً ويفرض نفسه بإلحاح، وأحد ملامح الزمن ما بعد الديموقراطي، نجد تراجع الفاعل السياسي وتقدم أدوار التكنوقراط أو ما يسمى الخبراء، وكان إمانويل تود قد أكد أن جذور بداية حكم التافهين انطلقت مع مارغريت تاتشر التي في عهدها انقلب كثير من المفاهيم، إذ تحولت السياسة وأزمتها مشكلاً يتعلق فقط بـ"الحكامة" وصار المواطن مجرد "شريك" بينما قضايا الشأن العام وبكل عمقها وأبعادها السوسيولوجية العميقة، غدت موضوعاً "إدارياً" محضاً، وفي النهاية تحولت الدولة مجرد شركة من شركات القطاع الخاص تهيمن عليها فئة قليلة من الأثرياء اختزلت المصلحة العامة بشكل تلفيقي، في كونها مجرد مجموع المصالح الفردية، وتم بذلك تكريس الحد الأدنى من الدولة. 

يبقى السؤال هو: هل تستطيع بلداننا ومجتمعاتنا المتخلفة أن تواكب التحولات العميقة التي تعرفها الدولة في المجتمعات الغربية؟ أم أنها لا تستطيع أن تفعل سوى نقل تشوّهاتها في سياق غير السياق ولمجتمع غير المجتمع؟ وكيف يمكن تدبير عودة الدولة في ظل جائحة كورونا بشكل لا يتحول غطاء للسلطوية؟
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم