إعلان

السّعودية والأردن .. مواجهة التّحديات في بيئة متغيّرة

المصدر: النهار العربي
د.خالد باطرفي
د.خالد باطرفي
الملكان السعودي والاردني
الملكان السعودي والاردني
A+ A-
ثلاثة لا يختارهم المرء: 
دمه، لونه، ومسقط رأسه. فأهله قدر، وجسده قدر، ومنزله قدر. 

وثلاثة يختارهم:
ما يملأ به عقله، وروحه، وفمه. وبناءً على اختياراته يشارك في تشكيل قبيله، ومكانه، ومصيره. 
فالشراكة قرار، 
وموقعك في الكون قرار، 
ودورك في صوغ مستقبلك قرار. 

قدر المكان
والأردن لم يختر ما وُلد عليه. لم يُستشر في جغرافيته، ولا في جيرانه، وفي استدامة موارده. لكنه طوق سرعان ما كبر عليه، فامتطى مراكب السياسة، فصال وجال، وتمرد على رعاته، ولم يخسرهم. وصالح وخاصم، وبنى تحالفات جديدة، وشق دروباً مستجدة. فكسب وخسر، ولكنه صمد واستمر. 

لم يكن من السهل أبداً على دولة ولدت بين كبار: يتفقون ويختلفون، يسالمون ويحاربون. يتنازعون وقوفها مع هذا الطرف أو ذاك. الحياد عندهم مرفوض، والانحياز الى الخصم عداء. فلا هي كسويسرا محمية بأسوار التاريخ والجغرافيا وينابيع الموارد الذاتية من نزاعات جيرانها، ولا هي كنيوزلندا أو سنغافوره أو تايوان على مقاعد المتفرجين. فقدر دولة الأردن الجيوسياسي أنها تقف في منتصف الملعب، وتعيش في قلب الحدث، وعليها أن تختار موقعها بين المتنافسين. 

الهويّة الحاكمة
المملكة الأردنية الهاشمية يحمل هويتها اسمها. فهي "معبر الأردن" بين أربع قوى: السعودية، العراق، سوريا وإسرائيل. وهي ضفة نهر فصلتها عملية فصل توائم قسرية عن الضفة الأخرى. لكل ضفة مكوّناتها المكانية والسكانية والثقافية، وعلى كل ضفة تشكلت قوى حاكمة متنازعة. اقتربت وابتعدت، في لعبة شد حبل سياسية تجاوز عمرها نصف قرن، فلا هي تلاقت ولا أعلنت الطلاق.  

مملكة هي واحدة من بقية ممالك  العرب. ذهبت ممالك حليفة واحدة بعد الأخرى الى براثن الجيوش عبر الانقلابات العسكرية. فمملكة هاشمية في الشام، لم تدم طويلاً، وأخرى عظيمة في العراق نخرتها الاغتيالات وأنهتها ثورة دموية. وسقطت قبلها مملكة مصر والسودان، وتبعتها ممالك شمال أفريقيا من تونس الى ليبيا، ثم لحقتها اليمن. ولم يبق من الممالك القرشية إلا مملكة المغرب. 

بوصلة التّحالفات
تغيرت خريطة التحالفات تبعاً لذلك، فالحكم الملكي قائم على عقد مجتمعي بين الأب الراعي والرعية الموالية، عمادها الأمان والاستقرار وتوارث السلطة. وعليه، فإن الدولة الرعوية الأبوية لا يمكن أن تتلاقى مع الأنظمة الثورية العسكرية التي قامت على تنازع السلطة، ولعبة الكراسي الموسيقية، و"لا صوت فيها يعلو فوق صوت المعركة". 

مالت مملكة الأردن بحكمة الى الأنظمة المحافظة، وحلفائها الغربيين، ونأت بنفسها عن رعاة الثوريين في المعسكر الشرقي، طوال الحرب الباردة. وإن وقعت مرة واحدة في زلة الانضمام الى القوميين العرب، في الوقت الخطأ، فخسرت الضفة الغربية والقدس. وعادت بعدها الى معسكرها الآمن، مع موازنة دبلوماسية راشدة لعلاقاتها مع المعسكرات الأخرى. 

ثم تكرر الميل مع المعسكر الثوري خلال حرب الخليج الثانية، واحتلال الكويت، وتأثرت حبال الود والثقة مع المعسكر الملكي والداعم الغربي، نتيجة لذلك. إلا أن الحكمة غلبت في نهاية المطاف، وعادت الأواصر الملكية الى سابق عهدها. واستمر التوافق على الخصم المشترك والحليف المشترك، ولا يزال. 

"صفقة القرن"
إلا أن العلاقات بين الدول كالعلاقات الأسرية، لا تخلو من تفاوت في الرؤى نتيجة لتفاوت في المصالح. فالمقاربة مع الحليف الأميركي تجاه القضية الفلسطينية، مثلاً، تأرجحت بين من أصر على تنفيذ مبادرة السلام العربية المعلنة في بيروت عام 2002، أولاً، ومن تجاوب مع رؤية الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب بالتطبيع أولاً ضمن صفقة شاملة سُميت بـ"صفقة القرن". وفي هذه توافقت المواقف السعودية - الأردنية، على رفض الصفقة التي ستحرم الضفة والقدس من الرعاية الهاشمية، وتعطي الفلسطينيين دويلة مجزأة، محاصرة، مسلوبة السيادة، غير قابلة للحياة والاستدامة، وللإسرائيليين المزيد من الأراضي المحتلة، لتصبح غير قابلة للتفاوض والاسترجاع. 

مئويّة العلاقات السّعودية الأردنيّة
والعلاقات السعودية - الأردنية تعود بجذورها الى مطلع القرن الماضي، عندما دعمت حكومة الملك عبد العزيز بن سعود قيام الأردن، وقدمت له إطلالة على البحر الأحمر، بتنازلها عن مدينتي العقبة ومعان عام 1925، ثم بتبادل أراض شاسعة بين البلدين مساحتها 13000 كيلومتر مربع في اتفاقية حدودية وقّعت عام 1965. 

وكانت العلاقات قد وصلت الى أوجها بعد تولي الملك حسين بن طلال عرش الأردن، عام 1952، في مجالات عديدة، سياسية واقتصادية وتجارية وأمنية وعسكرية. 

وكان للجيش السعودي حضوره في الحروب التي خاضها  الأردن، بعد نكسة 1967. كما ساهمت الدبلوماسية السعودية في خروج البلاد من مآزق أمنية كأيلول الأسود، واقتصادية، كجائحة كورونا. 

وفي المقابل، وقف الأردن بصلابة مع الجارة الشقيقة في كل المحافل العربية والدولية، وتعاون مع أجهزتها الأمنية في مواجهة الجرائم العابرة للحدود، كالإرهاب والمخدرات وغسيل الأموال.     

التّرابط الشّعبي
ولعل السند الأقوى والأدوم لهذه العلاقات يكمن في الترابط العرقي والديني والثقافي بين الشعبين. 
فوفقاً لاستطلاع الرأي العالمي الذي أجرته مؤسسة بيو عام 2013، أعرب 88% من الأردنيين عن وجهة نظر إيجابية تجاه المملكة العربية السعودية، بينما أعرب 11% عن رأي غير مؤيد، وهذا الرأي هو الأكثر تفضيلاً للسعودية في الشرق الأوسط. 

ويشار هنا الى أن تعداد الجالية الأردنية المقيمة في الأراضي السعودية بلغ نحو 400 ألف مواطن أردني من أصل 750 ألف أردني مغترب في العالم. كما أن الأردن من البلدان المفضلة للسياح والطلاب والتجار والمستثمرين السعوديين. 

الاستثمارات الملياريّة
فحسب السفير السعودي في عمّان نايف بن بندر السديري، نشرته وكالة بترا (بتاريخ 2021/2/7) تتصدر السعودية موقعاً متقدماً في قائمة المستثمرين في الأردن بنحو 13 مليار دولار، معرباً عن أمله في تجاوز هذا الرقم لتصبح المملكة أكبر الدول المستثمرة في الأردن.

وأوضح السفير، أنه بحسب تقارير الهيئة السعودية العامة للاستثمار، تُعد السعودية من أكبر ثلاثة مستثمرين في قطاعات (النقل، البنية التحتية، الطاقة، القطاع المالي والتجاري، قطاع الإنشاءات السياحية). 

الرّبط الكهربائي 
كما أشار السديري إلى توقيع مذكرة تفاهم بين وزارتي الطاقة في البلدين الشقيقين لمشروع الربط الكهربائي العملاق. كما دشنت في 2017 مرحلة جديدة في استقطاب الاستثمار السعودي من خلال إنشاء شركة صندوق الاستثمارات السعودي الأردني، خلال زيارة الملك سلمان بن عبد العزيز للأردن ولقائه أخيه الملك عبد الله الثاني، برأسمال بلغ 3 مليارات دولار، يملك صندوق الاستثمارات العامة السعودي 90% منه، وتوزع 16 بنكاً أردنياً ملكية 10% من رأس المال.

ويستهدف الصندوق مشاريع تنموية كبرى في قطاعات الصحة وتكنولوجيا المعلومات والسياحة والترفيه والتجارة، كمشروع الرعاية الصحية، باستثمار 400 مليون دولار، لبناء مستشفى جامعي بسعة 300 سرير، و60 عيادة خارجية، وجامعة طبية بسعة 600 مقعد، بمعدل 100 مقعد لكل عام دراسي.

التّعاون التّجاري
وحول التعاون التجاري بين البلدين، بيّن السفير أن السعودية تعتبر الشريك التجاري الأول للأردن، فحجم تجارة البلدين بلغ العام الماضي 5 مليارات دولار، فيما تحتل السعودية المرتبة الثالثة في حجم الصادرات، كما أن ميزة تجاور البلدين الشقيقين، ووجود منافذ حدودية عدة بينهما، تعتبر عاملاً كبيراً في توسيع التجارة البينية، ما يتطلب منح تسهيلات أكبر، وتعاملات خاصة تسهم في انسيابية التبادل التجاري، وتصب في مصلحة البلدين الشقيقين.

وأضاف أن التبادل التجاري بين السعودية والأردن، على العكس من الدول الأخرى، لم يتأثر بالجائحة، بل ازداد بحسب الأرقام الصادرة من دائرة الإحصاءات العامة، وهذا أمر يدل الى التنسيق الدائم العالي المستوى بين البلدين في اتخاذ التدابير التي سهّلت من انسيابية السلع، ما ساهم في تخفيف أثر الجائحة على التبادل التجاري بينهما.

قدر الأشقّاء
واختتم بالرد على المشككين في ديمومة العلاقات السعودية الأردنية وصلابتها، بتأكيد أن العلاقات بينهما قدر جمع الأشقاء في منطقة تلاق وتحالف وتعاون منذ عام 1925، ونحن نقترب من الذكرى المئوية لهذه العلاقات نستذكر دوماً أن ما جمع البلدين على طريق التنمية والشراكة والتكاتف كان دوماً أكبر وأعظم من كل التحديات والمنعطفات على الطريق القدري الطويل.

والمملكة الأردنية الهاشمية عضو بارز وفاعل ومبادر في مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي تسعى الى تحقيقه رؤية السعودية 2030 ومبادرة الشرق الأوسط  الأخضر، ومشروع نيوم الكبير، والتحالف الإسلامي العسكري ضد الإرهاب، والتحالف العربي لدعم الشرعية اليمنية والمركز العالمي لمكافحة الفكر المتطرف (اعتدال). كما يشارك البلدان في كل المنظمات العربية والإسلامية كالجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي ورابطة العالم الإسلامي والبنك الإسلامي للتنمية، ويعتبر الأردن شريكاً أساسياً لمجلس التعاون الخليجي. 

ومن حيث أقف، أرى مستقبلاً أجمل وأكمل وأشمل، وأكثر نفعاً وجدوى للعلاقات السعودية الأردنية، ترعاها قيادات ناضجة وتؤيدها شعوب متراصة وتضمنها مصالح متجددة وواعدة.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم