إعلان

هل يحمل مسار بوزنيقة حلا للأزمة الليبية؟

المصدر: النهار العربي
عادل بن حمزة
عادل بن حمزة
المشاركون في محادثات بوزنيقة
المشاركون في محادثات بوزنيقة
A+ A-

اعتبر الاتفاق السياسي الليبي الذي وُقّع في الصخيرات في المغرب في كانون الأول/ديسمبر 2015، اختراقاً مهماً للوضعية الصعبة التي كانت تمر بها ليبيا وهي تغرق في أتون حرب أهلية تؤججها أطراف داخلية وخارجية، وكان لإرث التفكك البنيوي للمؤسسات وضعف تقاليد الدولة في عهد العقيد القذافي، دور سلبي ساهم في تعميق الخلافات بين الأطراف الليبية التي تحصنت بهويات قبلية ومناطقية وإيديولوجية مختلفة في استعادة للتقسيم التاريخي منذ دستور 1951. لذلك مثّل اتفاق الصخيرات، برغم كل الملاحظات التي تعرض لها، أول اختراق لمعالجة شرعية المؤسسات القائمة في شرق ليبيا وغربها، إذ نص آنذاك على قيام حكومة وحدة وطنية توافقية تتشكل على أساس الكفاءة وتكافؤ الفرص، وتتحمل مسؤولية السلطة التنفيذية التي تتكوّن من مجلس للوزراء يترأسه رئيس مجلس الوزراء، وعضوين نائبين، وعدد من الوزراء، ويكون مقرها العاصمة طرابلس، ومدة ولايتها عاماً واحداً، ثم اعتماد البرلمان المنعقد بطبرق والمنتخب في حزيران (يونيو) 2014 كهيئة تتولى السلطة  التشريعية في ليبيا خلال المرحلة الانتقالية التي لم تحدّد مدتها، زيادة الحكومة التوافقية واعتماد سلطة تشريعية موحدة.

 

وتضمّن الاتفاق تأسيس مجلس أعلى للدولة ومجلس أعلى للإدارة المحلية وهيئة لإعادة الإعمار وأخرى لصياغة الدستور ومجلس الدفاع والأمن، على أن يتولى المجلس الأعلى للدولة بصفته أعلى جهاز استشاري في الدولة، إبداء الرأي الملزم بالأغلبية في مشاريع القوانين والقرارات ذات الصفة التشريعية التي تعتزم الحكومة إحالتها على مجلس النواب، وهو ما يمثل جسراً بين حكومة الوفاق وبرلمان طبرق. ويتشكل هذا المجلس من 120 عضواً، ومن اختصاصاته أيضاً دراسة واقتراح السياسات والتوصيات اللازمة حول مواضيع: دعم تنفيذ الاتفاق السياسي، ودعم الوحدة الوطنية وحماية المقوّمات الأساسية للمجتمع، ومشاريع التنمية الاقتصادية والاجتماعية وفقاً لبرنامج عمل الحكومة وأولوياتها، ومكافحة الإرهاب والعنف والتطرف والإقصاء، ودعم جهود المصالحة الوطنية والسلم الاجتماعي من خلال الآليات القائمة، والعودة الطوعية والآمنة للمهجرين والنازحين، ودور الإعلام في دعم جهود إحلال السلام ونبذ ثقافة العنف والكراهية ودعم ومساندة لجان تقصي الحقائق ومؤسسات مكافحة الفساد في أدائها لواجباتها.

 

لقد شكل اتفاق الصخيرات مرجعاً أساسياً في كل الجهود التي كانت تبذل لحلحلة الأزمة الليبية، غير أن بعض الأطراف الداخلية والخارجية، حمل رؤية مختلفة على طرفي النقيض مع أطراف الصخيرات، فإذا كانت مرجعية هذا الاتفاق بناء وتوحيد المؤسسات السيادية والقبول بواقع التعدد والاختلاف، سواء في الشرق أو الغرب الليبيين، فإن أطرافاً أخرى داخلية وخارجية كانت تعتبر أن الأولوية هي الالتفاف حول جيش ليبي موحد وحل الميليشيات والحسم مع الجماعات المسلحة التي تمثل امتداداً لـ"داعش" و"القاعدة"، وقد مثل خليفة حفتر عراب هذا الطرح، وتصوّر أنه يمكن أن يفرض هذه القراءة على جميع الأطراف، ولربما كان حفتر قاب قوسين أو أدنى من أن يحقق هذه الإرادة على الأرض بعد هجومه على طرابلس وحصارها لشهور طويلة، قبل أن يرتد إلى مواقعه بعد دخول تركيا على خط المواجهة المسلحة، إذ نجحت في قلب المعادلة لمصلحة حكومة الوفاق. تغيّر المعطيات العسكرية على الأرض ساهم في استعادة عقيلة صالح رئيس البرلمان المنعقد في طبرق للمبادرة، كما استعاد البرلمان دوره ومكانته، وهو يعدّ واحداً من مخرجات اتفاق الصخيرات.

 

بالتأكيد لم يكن اتفاق الصخيرات مثالياً، لكنه شكل مقدمة لفض النزاع في ليبيا، وبدل دعم الاتفاق والسعي إلى تعديله بما يخدم مصالح الأطراف المختلفة وإعادة الاعتبار للحل السياسي، سعى عدد من القوى الكبرى إلى فتح مسار جديد، ومنه المبادرة الألمانية، حيث  شكل مؤتمر برلين في الواقع مجرد لقاء لتنظيم التنافس ووضع قواعد للحد من الاشتباك بين مختلف القوى الدولية والإقليمية حول خيرات الشعب الليبي، وهذا يبدو واضحاً كثيراً من خلال مراجعة البيان الختامي الذي أفرد مكاناً مهماً للنفط ومؤسسات النفط وكل ما يتصل به، بما يفوق الاهتمام بالسلام في ليبيا وبأمان الشعب الليبي، وقد حمّل المؤتمر مسؤوليته للأطراف الليبية وللأمم المتحدة، علماً أن تلك الأطراف فشلت في كل المحاولات السابقة لإيجاد الحل، وأن الأمم المتحدة لم تستطع أن تعطي بعداً إجرائياً للاتفاق السياسي الذي رعته في الصخيرات، بل لم تستطع أن تعطي المعنى اللازم للاعتراف الدولي بالمؤسسات التي تم الاتفاق عليها في الصخيرات، ذلك كان يعني أن أطراف النزاع والأمم المتحدة والقوى الدولية والإقليمية ذات الصلة بالنزاع أثبتت عدم قدرتها على وضع حد لحالة الصراع في ليبيا، علماً أن مؤتمراً بحجم مؤتمر برلين بالنظر للقوى التي شاركت فيه، كان يجب أن يقدم إضافة على هذا المستوى، لكنه لم يكن كذلك بكل تأكيد، بل إن الأطراف التي شاركت فيه لم تتردد في التراشق بالتهم فور انتهاء أشغاله.

 

مؤتمر برلين وحّد الدول المغاربية الثلاث من حيث تغييبها عن لعب دور فعال، بالطبع هناك غياب التنسيق بين البلدان الثلاثة وغياب مبادرة مغاربية مشتركة بخصوص الوضع في بلد مغاربي مهم بحجم ليبيا، وهذا الغياب يرجع في جزء كبير منه إلى الخلاف الجزائري المغربي، بحيث عملت الجزائر دائماً على تجنب العمل المشترك مع الرباط في كل ما يتعلق بالتحديات التي تواجه المنطقة. نتذكر الجهود التي بُذلت في ما يتعلق بمحاربة الإرهاب بمنطقة الساحل والصحراء، إذ تعمدت الجزائر دائماً عدم الجلوس إلى جانب المغرب. يشهد الواقع اليوم وجود تنسيق بين الجزائر وتونس، هذا التنسيق حُمل أكثر مما يحتمل، فهو أمر طبيعي بحكم أن البلدين لهما حدود مشتركة مع ليبيا، وهو أمر لا ينطبق على المغرب، لكن في كل الأحوال يمكن القول إن البلدان المغاربية الثلاث من مصلحتها بحث صيغ للتنسيق، وهذا هو الدعم الحقيقي للشرعية في ليبيا والشعب الليبي بصفة عامة، وفي واجهة هذا العمل المغاربي يبدو دور المغرب هاماً. لماذا؟ لأن المغرب منذ بداية النزاع كان أرضاً للقاء مختلف الفرقاء الليبيين، سواء علناً أو سراً، وكانت هناك قناعة في الرباط منذ بداية الأزمة، بأن الحل العسكري لن يؤدي سوى إلى تأزيم الوضع أكثر، وأن التدخل الخارجي لا يساهم سوى في تعميق الانقسام في الساحة الليبية، وهو انقسام له جذور تاريخية منذ عهد الملك السنوسي، فثنائية طبرق طرابلس ليست جديدة في تاريخ ليبيا، وقد أكد المغرب من خلال أدائه الدبلوماسي أنه يستوعب جيداً هذه الحقيقة، أما التنسيق التونسي الجزائري في ما يتعلق بليبيا، فهو لا يتجاوز ما يفرضه موقع البلدين في علاقتهما بليبيا وما يستدعيه ذلك من تنسيق أمني وعسكري، وهذا لا ينطبق على المغرب. وبرغم هذا الاختلاف في العلاقات بين البلدان الثلاثة، فإن هناك ثلاثة عناوين رئيسية لتطابق وجهة نظرها في ما يتعلق بالملف الليبي. أولا: اقتناعها بأنه لا يمكن حسم الصراع بالعنف، وأن الحل العسكري لا أفق له. ثانياً: تأييد المؤسسات المنبثقة عن اتفاق الصخيرات الذي تدعمه الأمم المتحدة. ثالثاً: رفض التدخل الأجنبي وتحويل ليبيا إلى فضاء للمواجهة بين القوى الإقليمية والدولية.

 

هل نجح اتفاق الصخيرات في وقف الحرب والمواجهات العسكرية والتدخل الخارجي؟ الجواب لا بطبيعة الحال، لكن قيمة اتفاق الصخيرات كانت في كونه يمثل مرجعية، يمكن الاختلاف بشأنها، لكن أهم الأطراف في النزاع تعتبرها أرضية يمكن البناء عليها ولا حرج من تعديلها، في هذا الإطار يأتي مسار بوزنيقة الجديد والذي يمثل امتداداً للرؤية المغربية للأزمة الليبية. فقد أكد وزير الشؤون الخارجية المغربي ناصر بوريطة، في كلمة أمس الأربعاء، خلال أعمال الدورة 154 لمجلس الجامعة العربية على مستوى وزراء الخارجية "ضرورة العمل على تحقيق الحل لهذه الأزمة بمساهمة ليبية محضة، والمساهمة في توفير إطار محايد لحوار ليبي - ليبي، يضمن تماسك اللحمة الوطنية والوحدة الترابية والسيادة الوطنية لليبيا على جميع أراضيها بعيداً عن التدخلات الأجنبية". هذا المسار الجديد كان تتويجاً للقاءات جرت قبل أسابيع في الرباط بين عقيلة صالح وخالد المشري، بحضور رئيس مجلس النواب المغربي الحبيب المالكي، وقد أثمرت تلك اللقاءات إعلانات وقف إطلاق النار، وكانت متزامنة، وجنّبت الهلال النفطي حمام دم جديداً. مسار بوزنيقة يؤكد ثبات الاتفاق السياسي للصخيرات كمرجعية للحل السلمي في ليبيا، فالأطراف المجتمعة في بوزنيقة هي المؤسسات التي أفرزها الاتفاق، والترحيب الدولي الحالي بتقدم الحوار الليبي الليبي يعد اعترافاً جديداً بأنه ليس هناك حل لما يجري في ليبيا غير الحل السياسي الذي يجب أن يمر عبر طاولة المفاوضات.

 

يبقى السؤال هو: ما موقع خليفة حفتر من هذا المسار؟ علماً أنه كان منذ البداية رافضاً للاتفاق السياسي. وهل يمكن مرة أخرى تجاهل حفتر؟ وما ثمن ذلك وأثره في تمديد زمن الأزمة؟

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم