إعلان

ورقة الكاظمي البيضاء ومستقبل الحكم في العراق

المصدر: النهار العربي
فاروق يوسف
مستشفى الخطيب يحترق
مستشفى الخطيب يحترق
A+ A-
اختار رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي لخطة الإصلاح التي لم يبدأها حتى الآن اسم "الورقة البيضاء". وهو اسم مثير استحضر الرجل من خلاله واحدة من مواهب مهنته صحافياً.
 
غير أن ذلك العنوان، سيكون بمثابة فضيحة ينهي الكاظمي بها عهده الذي كان عبارة عن زمن هدنة، استطاعت الأحزاب عبره أن تفلت من المواجهة التي فرضها المحتجون الشباب بعد انتفاضة تشرين 2019. 
 
فبالرغم من أن الكاظمي لم ينل موافقة الأحزاب، ومن خلفها إيران، على تعيينه في منصب رئيس الوزراء، وقبلت به في محاولة منها لإنهاء مشكلة كادت تطيح النظام السياسي، في ظل يقينها من أن وعوده في الإصلاح ستظل عالقة في الهواء، وستكون وظيفته رئيساً للسلطة التنفيذية واجهة لدولة مسلوبة الإرادة لا تتمتع بالسيادة الفعلية على أراضيها، كما أنها لا تملك القدرة على إنهاء وجود ميليشيات ترتبط عقائدياً وسياسياً بدولة أجنبية هي إيران. دولة غير إنتاجية ببنية خدمية متهالكة، تلك هي الدولة التي عُين فيها الكاظمي رئيساُ للوزراء ووعد بإصلاحها. 
 
ما خطفته الأحزاب من قدرات الدولة لم يكن في إمكان الكاظمي استعادته.   
 
فإذا ما كان الكاظمي قد صدّق عن حسن نية، وربما بإيحاء أميركي، أن عهده سيكون مناسبة للتغيير، فإن إجراءاته في مكافحة الفساد واحتواء السلاح الفالت قوبلت بالاستخفاف بطريقة مزرية، بحيث إنه فشل على الجبهتين، الأمر الذي أفقده الكثير من الزخم الشعبي الذي اعتبره رصيداً مضموناً لتجديد ولايته التي تنتهي بعد شهرين. 
 
وليس صدفة أن تتحرك الأحزاب والميليشيات في ظل حكومة الكاظمي التي هي الأخرى حكومة محاصصة في مجالين. الأول اغتيال الناشطين السياسيين المعارضين لنظام المحاصصة، والثاني إحراق المستشفيات بمَن وما فيها، وذلك ضمن عملية لتصفية الحسابات بين أطراف العملية السياسية. وفي هذين الملفين الأمنيين، فشل الكاظمي وحكومته وأجهزته الأمنية في ممارسة الدور المطلوب منهم، على مستوى توصيف الجريمة والقبض على الجناة وتقديمهم إلى المحاكمة.   
 
في كل مرة يعد فيها الكاظمي بتحقيق العدالة يزداد عمق الهوة التي تشير إلى فشله، وهو ما يشكل سبباً مضافاً للإحباط على مستوى شعبي. غير مرة تحدث عن لجان وتحقيقات ومفاجآت، من غير أن تكون هناك نتائج إلا على مستوى إشارات وهمية هي أشبه بالشائعات التي يتم تداولها على نطاق شعبي. صارت وسائل الإعلام الرسمية تبث أخباراً هي مجرد تكهنات وليست لها صلة بالحقيقة المؤكدة.    
 
على سبيل المثال، لا تملك الحكومة الجرأة على أن تسمي ميليشيا بعينها كونها مسؤولة عن قصف المنطقة الخضراء ومحيط السفارة الأميركية، كما أنها عجزت عن حل اللغز الذي يقف وراء عمليات إحراق المستشفيات، بدءاً بالمستشفى الألماني القريب من مطار بغداد، وهو المستشفى الذي اختفى قبل أن يتم حرق آثاره، وانتهاءً بمستشفى الحسين في الناصرية مروراً بمستشفى ابن الخطيب "التويثة" في بغداد. 
 
لم تقل الحكومة إن الفاعل كان مجهولاً وتلك فضيلة، غير أنها لم تنشر النتائج التي توصلت إليها لجانها إذا كانت تلك اللجان قد توصلت فعلاً إلى نتائج. تعاملت الحكومة مع تلك الفجائع كما لو أنها مجرد حوادث تقع في كل مكان. وهو ما ردّدته الأحزاب في إعلامها. كانت تلك الحوادث مناسبة للإشارة إلى الفساد الذي صار يعصف بحياة المواطنين وهم مرضى لا يقوون على الدفاع عن أنفسهم في مواجهة النار. ألا يملك الكاظمي القدرة على أن يصارح الأحزاب بتلك الحقيقة، بعدما تجمع بين يديه العديد من الملفات التي تدين الجميع؟  
 
سيكون علينا إذاً أن نتكلم عن رئيس وزراء يسعى إلى قضاء أيامه بسلام إلى أن تنتهي ولايته. ولكن الكاظمي ليس كذلك. ما يظنه الكثيرون أن الكاظمي يخطط للبقاء في ولاية ثانية بعد ولايته الناقصة. وهو لن يتمكن من البقاء إذا اصطدم بالأحزاب. لا يكفي فوزه في الانتخابات لكي يكون رئيس وزراء. إنه يحتاج إلى أصوات الكتلة الأكبر في مجلس النواب. وهي لعبة لن يتمكن من الفوز فيها.  
 
لم يستغل الكاظمي وجوده في رئاسة الوزراء ويؤلف حزباً كما فعل حيدر العبادي رئيس الوزراء الأسبق من قبله. الفرق بين الرجلين أن الكاظمي لم يكن رجلاً حزبياً، فيما قضى العبادي حياته كلها عضواً في حزب "الدعوة". لذلك سيذهب الكاظمي إلى الانتخابات وحيداً. فهل ستنجده ورقته البيضاء على مستوى استعادة آماله الشعبية؟    
 
لم يبق سوى شهرين على الانتخابات التي يسعى مقتدى الصدر إلى إلغائها أو على الأقل إفشالها. سيكون في إلغاء الانتخابات أو تأجيلها زمن قد يستفيد منه الكاظمي لكتابة شيء ما على ورقته البيضاء. ولكن معطيات الواقع تقول إن الرجل صار أكثر خبرة بقواعد التسوية الأميركية الإيرانية في العراق. تلك قواعد لا تسمح بإجراء تغيرات كثيرة في واقع النظام السياسي المبني على أساس المحاصصة التي هي مصدر الفساد. وهو ما يعني أن الكاظمي سيكون محروماً من كتابة سطر واحد على صفحته البيضاء. لقد جرب أن يفعل ذلك في ما مضى غير أنه فشل. 
 
ورقته البيضاء ستظل بيضاء، غير أن أشدّ ما يخشاه أن تتّخذ الأحزاب من ذلك البياض الذي هو من صنعها دليلاً على عدم صلاحيته لإدارة المرحلة القادمة. 
   
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم