إعلان

أميركا لن تعود... ولو عادت "طالبان"

المصدر: النهار العربي
أسعد عبود
التفجير طاول مقر وزير الدفاع الافغاني
التفجير طاول مقر وزير الدفاع الافغاني
A+ A-
التساقط المتسارع لعواصم الولايات الأفغانية في أيدي حركة "طالبان" يجعل من سيطرة الحركة على كابول مجرد مسألة وقت، علماً أنها بدأت أخيراً شن عمليات داخل العاصمة، بينها تفجير طاول مقر وزير الدفاع بسمة الله محمدي، فضلاً عن اغتيال رئيس مركز الإعلام والمعلومات في الحكومة الأفغانية داو خان مينهابال. لكن لا يمكن الحديث بعد عن عمليات عسكرية منظمة في المدينة.  
 
وعلى رغم أن هجمات "طالبان" تتعارض مع الاتفاق الذي أبرمته إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب مع الحركة في شباط (فبراير) 2020، الذي مهد الطريق أمام القرار الأميركي بالانسحاب العسكري الكامل من أفغانستان بحلول 31 آب (أغسطس) الجاري، فإن الرئيس جو بايدن لا يعتزم على ما يبدو تغيير خطط الانسحاب، بناءً على الوقائع الميدانية التي لا تتوقع قدرة القوات الأفغانية الحكومية على الصمود أكثر من أسابيع، في ضوء ضراوة هجوم المتمردين. باختصار، لا عودة عن قرار الانسحاب.
 
وفي الوقت نفسه، يظهر أن مباحثات الدوحة بين الحكومة الأفغانية و"طالبان" ليست في سبيلها إلى التوصل الى اتفاق على تقاسم السلطة، ما دامت الحركة تمضي في تغيير الأوضاع على الأرض بسرعة قياسية. ويزداد الوضع تعقيداً مع الإرهاق الذي بدأ يظهر على الوحدات الخاصة الأفغانية التي كُلفت الدفاع عن عواصم الولايات من دون جدوى، بعد استسلام آلاف الجنود الأفغان النظاميين في مناطق كثيرة وإخلاء مواقعهم.
 
أما الضربات الجوية لسلاح الجو الأفغاني فهي غير قادرة على إحداث تحولٍ لمصلحة الحكومة الأفغانية، هذا فضلاً عن تسببها بسقوط ضحايا مدنيين. كما أن الغارات التي تشنها قاذفات استراتيجية أميركية من طراز "بي-52" بين الحين والآخر، لم تسفر هي الأخرى عن تغيير في موازين القوى على الأرض. ويعتقد أن الغارات الأميركية ستتوقف مع مغادرة آخر الجنود الأميركيين بعد 3 أسابيع.   
 
هذه الوقائع الجديدة التي تفرضها "طالبان" على الأرض، مرشحة للتصاعد كلما اقتربت معركة كابول. وقد بدأت الدول الغربية منذ فترة الإيعاز إلى رعاياها بضرورة مغادرة أفغانستان. وآخر هذه الدول التي اتخذت مثل هذه التدابير كانت بريطانيا.   
وهذا دليل آخر على أن الدول الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، بدأت تتصرف بإزاء أفغانستان وكأنها بحكم الساقطة في أيدي "طالبان". وليتبين أيضاً أن عشرات مليارات الدولارات التي أنفقتها واشنطن وحلف شمال الأطلسي على مدى عشرين عاماً تقريباً، لبناء جيش أفغاني يستطيع حماية البلاد، قد ذهبت أدراج الرياح في غضون أشهر معدودة.  
 
ويتصرف بايدن على نحوٍ حاسم بأن لا عودة عن قرار الانسحاب مهما كان الثمن، معتبراً أن أفغانستان التي كانت مسؤولية أميركية وأطلسية على مدى عقدين، هي اليوم أيضاً مسؤولية باكستانية وصينية وروسية وإيرانية، وأن على هذه الدول أن تقوم بدورها في مواجهة الوقائع الجديدة على الأرض.   
 
ولذلك تتحرك الصين وروسيا وإيران وباكستان في اتجاه "طالبان" كأمر واقع على الأرض، مع كل التحفظات والمخاوف التي تبديها هذه الدول عن عودة الحركة المتشددة إلى الحكم. وبعض هذه الدول، ولا سيما إيران، لديها تجربة مريرة مع "طالبان" خلال التسعينات، عندما اقتحم عناصر من الحركة القنصلية الإيرانية في مزار الشريف وقتلوا 11 شخصاً، بينهم دبلوماسيون، وكاد الأمر يؤدي إلى حرب بين البلدين وقتذاك.   
 
أميركا تدير ظهرها لأفغانستان وتتحرر من عبئها، وتخرج بصمت وبسرية ومن دون احتفالات، لأنه لا انتصار للاحتفال به. تغادر أميركا كما غادر الاتحاد السوفياتي وكما غادرت بريطانيا من قبل، بتجرّع كأس الهزيمة وبالتفتيش عن عبارات مواربة تتحاشى تسمية الأشياء بأسمائها.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم