إعلان

لا يمكن عمل شيء لليمن...

المصدر: النهار العربي
خيرالله خيرالله
خيرالله خيرالله
الحوثيون في اليمن
الحوثيون في اليمن
A+ A-
إنّه رابع مبعوث للأمم المتحدة الى اليمن منذ بداية الأزمة الداخلية التي قضت على البلد. كان الأوّل المغربي جمال بنعمر، خلفه إسماعيل ولد الشيخ أحمد، وهو وزير الخارجية الموريتاني حالياً، والذي حل بعده البريطاني مارتن غريفيث. هل يستطيع المبعوث الجديد السويدي هانس غروندبرغ صنع فارق ما؟
 
مثل هذا السؤال يمكن أن يكون في غير محلّه، في ضوء ما آل اليه اليمن الذي انفجر من داخل وتشظّى. بات من الصعب، بل من المستحيل، لملمة بقايا بلد غني بأهله وثرواته وموقعه الجغرافي. كان في استطاعة اليمن أن يكون بالفعل سعيداً. قد يكون السؤال الأفضل الذي يمكن طرحه: هل لا يزال في الإمكان عمل شيء لليمن واليمنيين؟
 
يبدو الخيار الدولي أفضل هذه المرّة، نظراً الى أنّه سبق لغروندبرغ أن شغل منذ عام 2019 موقع سفير الاتحاد الأوروبي في اليمن. قبل ذلك ترأس قسم الخليج في وزارة الخارجية السويدية في استوكهولم، خلال الفترة التي استضافت فيها السويد المفاوضات التي نظمتها الأمم المتحدة وتوّجت باتفاق ستوكهولم عام 2018. لم تكن من فائدة لذلك الاتفاق الذي أشرف عليه البريطاني مارتن غريفيث سلف غروندبرغ. كانت النتيجة الملموسة الوحيدة لاتفاق استوكهولم توفير شرعية للحوثيين الذين استطاعوا استغلال الاتفاق من أجل المحافظة على الوضع القائم في ميناء الحديدة، بمعنى إبقاء الميناء والمدينة تحت سيطرتهم.
 
استطاع الحوثيون الذين يسمّون أنفسهم "أنصار الله" الاستفادة من جهود مبعوثي الأمم المتحدة، بما يصبّ في خدمة مشروعهم الهادف الى جعل قسم من اليمن جرماً يدور في الفلك الإيراني وقاعدة صواريخ إيرانيّة. كان جمال بنعمر شاهداً على "اتفاق السلم والشراكة" بين الحوثيين من جهة، و"الشرعيّة" اليمنية ممثّلة بالرئيس الموقت عبد ربّه منصور هادي من جهة أخرى. أضفى حضوره شرعية دولية على الاتفاق، وذلك مباشرة بعد وضع "أنصار الله" يدهم على العاصمة اليمنية في 21 أيلول (سبتمبر) 2014.
 
ما لبث الحوثيون أن استغنوا عن خدمات جمال بنعمر وتجاهلوا وجود اتفاق عليه توقيعهم. أخذوا من الاتفاق ما يريدون أخذه ووضعوا عبد ربّه منصور هادي في الإقامة الجبريّة وأجبروه على تقديم استقالته. وجد الرئيس الموقت من يهرّبه من صنعاء وينقله الى عدن في شباط (فبراير) 2015، فيما استكمل الحوثيون سيطرتهم على العاصمة وراحوا يتمددون في كلّ الاتجاهات.
 
تخلّى إسماعيل ولد الشيخ أحمد عن موقعه بعدما شعر الحوثيون أنّه ليس في استطاعتهم استخدامه، وأطلقوا النار على سيارته في أثناء وجوده في إحدى المرات في صنعاء. اعتقد البريطاني مارتن غريفيث أنّ لديه ما يكفي من الخبرة السياسية كي يحصل على تنازلات حوثيّة تمهيداً لبحث جدّي في تسوية سياسيّة. بلغ به الأمر الذهاب الى طهران من أجل البحث مع المسؤولين الإيرانيين في الموضوع اليمني، معترفاً بأنّ "الجمهوريّة الإسلاميّة" هي طرف في الأزمة اليمنية. لم ينفعه ذلك في شيء. بقيت مهمّة غريفيث تراوح مكانها على الرغم من اللقاءات غير المباشرة، عن طريق الربط بين كاميرات، مع عبد الملك الحوثي، زعيم "أنصار الله". هل كان غريفيث يبحث عن مخرج أم أن كلّ همّه كان محصوراً في تكريس أمر واقع يريده الحوثيون على مقاسهم؟ الدليل على ذلك الجهد الدؤوب الذي يقومون به من أجل الاستيلاء على مدينة مأرب بهدف تحويل الكيان، الذي يطمحون الى إيجاده، الى دولة قابلة للحياة.
 
يناور الحوثيون ببراعة. اغتالوا علي عبد الله صالح في التوقيت الذي يناسبهم أواخر عام 2017. أبقوا على حلفهم غير المعلن مع الإخوان المسلمين، الذين كانوا وراء إزاحة صالح. جعل هذا الحلف الوضع في تعز مجمداً منذ سنوات طويلة.
 
هناك بكلّ بساطة دوران في حلقة مغلقة في اليمن. يزداد الوضع تعقيداً مع مرور الوقت، خصوصاً في ظلّ العجز عن التوفيق بين "الشرعيّة" والمجلس الانتقالي في الجنوب. هل يستطيع المبعوث الجديد للأمم المتحدة أخذ المبادرة وكسر هذه الحلقة المغلقة بطريقة أو بأخرى؟
 
ليس سرّاً أن كسر هذه الحلقة يحتاج الى أمرين. أولهما هزيمة عسكريّة للحوثيين والآخر إعادة تشكيل "الشرعيّة". لا مجال لهزيمة الحوثيين من دون إصلاح لـ"الشرعيّة"، ولا إصلاح لـ"الشرعيّة" من دون رفع يد الإخوان المسلمين عنها. ليس ما يشير الى الآن أن هناك من يستطيع إلحاق هزيمة بالحوثيين، على الرغم من فشلهم المتكرر في الوصول الى داخل مدينة مأرب. كذلك، لا بحث جدّياً في إيجاد "شرعيّة" تمتلك فاعليّة وتكون من نوع مختلف، أي بعيدة من سيطرة الإخوان عليها، في ظلّ رئيس موقت غائب عن الحوادث لا يمتلك أي قاعدة شعبيّة في اليمن، بل في مسقط رأسه (أبين).
 
الأمران خارج صلاحيات هانس غروندبرغ الذي لن يتمكن، في أحسن الأحوال، من الذهاب الى أبعد من إيجاد حلول لمشكلات جانبيّة من نوع خزان صافر قبالة ميناء الحديدة، الذي يهدّد بكارثة بيئية، أو توفير بعض المساعدات الإنسانية لبلد منكوب معظم أهله تحت خط الفقر.
 
يخشى أن تقتصر مهمّة المبعوث الجديد للأمم المتحدة على تمرير الوقت في غياب ما يكسر الحلقة المقفلة التي يدور فيها اليمن. لا أمل في الوقت الحاضر بإقناع الحوثيين بأنّ المشروع الإيراني في اليمن لا أفق له. ولا أمل في إقناع "الشرعيّة" أن لا فائدة تُذكر منها، لا في مجال التصدّي لـ"أنصار الله" ولا في مجال تنظيم حياة اليمنيين في المناطق التي تسيطر عليها...
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم