إعلان

حتّى لقمة العيش في لبنان باتت مهدّدة!

المصدر: النهار العربي
سابين عويس
سابين عويس
طابور سيارات أمام محطة بنزين
طابور سيارات أمام محطة بنزين
A+ A-
أكثر من عشرين شهراً على انفجار غضب الشارع في تشرين الأول (أكتوبر) 2019، والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية في لبنان مستمرة في تسجيل مستويات غير مسبوقة من التدهور، على خلفية الانهيار المالي والنقدي الذي تشهده البلاد، في ظل وجود سلطة سياسية عاجزة عن توفير أدنى مقومات الصمود للبنانيين. 

في مثل هذا اليوم قبل عام، استقالت حكومة حسان دياب غداة الغضب الشعبي عقب انفجار مرفأ بيروت. ومنذ ذلك التاريخ، كلّف البرلمان اللبناني ثلاث شخصيات تأليف حكومة، عجزت جميعها عن اجتياز ألغام التأليف، وها هو نجيب ميقاتي الشخصية الثالثة يعقد سبعة اجتماعات مع رئيس الجمهورية، يعجز فيها من تجاوز العقد الحكومية التي تدور كلها حول تقاسم نفوذ ومحاصصات سياسية طائفية، بدا بوضوح أنها تشكل الأولوية المطلقة لدى أهل السلطة، فيما البلاد تنحدر دراماتيكياً نحو الارتطام الكبير.
 
فمؤشرات الشلل الكلي بدأت تتفاقم تفاقماً مقلقاً جداً، بعدما أظهرت المعالجات المجتزأة وغير المدروسة عقمها، ولا سيما مع الاتكال الرسمي التام على المصرف المركزي لتمويل دعم السلع الأساسية كالمحروقات والطحين والدواء، بحيث تبيّن الأرقام أن المركزي أنفق في عام ومنذ استقالة حكومة حسان دياب أكثر من سبعة مليارات دولار على سياسة الدعم، من دون أن تحقق هذه السياسة جدواها، بل هُدرت الأموال على التهريب وعلى التخزين لدى التجار والمستوردين بهدف تحقيق مكاسب مادية عندما يصدر قرار رفع الدعم. 

والواقع أن الوصول الى هذا الأمر يحتاج سلطة شجاعة وجريئة، مستعدة لمصارحة اللبنانيين بعجزها وبعدم صوابية سياساتها وقراراتها التي أهدرت الجزء الأكبر من الودائع المحتجزة على شكل توظيفات إلزامية في المصرف المركزي، فيما الودائع الموجودة في المصارف فقدت قيمتها وتتعرض لعملية اقتطاع قسري غير مقونن منذ 22 شهراً، أي منذ أعلنت المصارف عجزها عن تأمين السحوبات بالعملات الأجنبية. 

ولأن الوصول الى هذا القرار يحصل قسراً ومن دون إعلان، فإن البلاد بلغت اليوم مرحلة شديدة الخطورة لجهة انقطاع كل المواد الأساسية والضرورية من كهرباء ومازوت وبنزين وغاز، ما أدى الى تهاوي القطاعات الصحية والاستشفائية والطبية، فضلاً عن وقوع الإدارات والمؤسسات الرسمية في حال من الشلل، إذ تفتقد غالبية هذه الإدارات الحد الأدنى من مستلزماتها المكتبية، فضلاً عن انقطاع الكهرباء وعدم وجود مازوت لتغذية المولدات الخاصة الكفيلة بتأمين التيار الكهربائي، فيما يمتنع موظفو القطاع العام عن الحضور الى عملهم بسبب عدم توافر البنزين والنقل العام!

آخر مجازر الانهيار تمثل أمس في إعلان تجمع أصحاب المطاحن توقف العديد من المطاحن قسرياً عن العمل، بسبب فقدان مادة المازوت التي باتت غير متوافرة في السوق الشرعية، ولا حتى في السوق السوداء. وحذر التجمع من أن المطاحن الباقية ستتوقف عن العمل تباعاً خلال أيام معدودة، وفقاً لحجم مخزونها من المازوت. ما يعني عملياً تعذر الاستمرار في تأمين الطحين للأفران لصناعة الخبز. علماً أن الأفران بدورها تحتاج الى ما لا يقل عن خمسة ملايين ليتر من المازوت شهرياً لمواصلة عملها الطبيعي، ما دفع عدداً كبيراً منها الى الإقفال أو العمل بدوام جزئي ليومين أو ثلاثة أسبوعياً. 

في الموازاة، تستمر أزمة الكهرباء التي ترفع مستوى التقنين الى ذروته، فضلاً عن استمرار مخزون البنزين الى تناقص، وقد رفع نقيب الأطباء أمس الصوت محذراً من كارثة في المستشفيات إذا لم يتأمن المازوت لزوم المولدات. 

هذه في خلاصة حال اللبنانيين الذين يئنون تحت أثقال أكبر الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وهم متروكون لقدرهم، وتحت رحمة طبقة سياسية منشغلة بأجنداتها وحساباتها الخاصة، وصدقة مجتمع دولي يؤمّن الحد الأدنى من المساعدات الإنسانية التي تؤمن بعضاً من أوكسيجين الصمود!
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم