إعلان

قصة "تعقيم" القضاء اللبناني لقطع نسل العدالة

المصدر: النهار العربي
فارس خشان
فارس خشان
أم نحمل صورة ابنها وابنتها اللذين قضيا في انفجار مرفأ  بيروت
أم نحمل صورة ابنها وابنتها اللذين قضيا في انفجار مرفأ بيروت
A+ A-
 
في الأوّل من تموز (يوليو) الجاري، فوجئ وزير العدل الفرنسي إريك دوبون موريتي ومعاونوه، بحضور عشرين قاضياً ومحققاً الى مكاتبهم، لإجراء واحدة من أوسع عمليات التفتيش عن أدلّة تتعلّق بدعوى تفيد بأنّ "نجم الحكومة" استغلّ منصبه الوزاري لاتخاذ إجراءات انتقامية بحق ثلاثة قضاة سبق أن تصدّوا له، حين كان لا يزال محامياً.
 
استمرت عملية التفتيش خمس عشرة ساعة متواصلة، تضمنت مصادرة هواتف الوزير ومعاونيه وكذلك بريدهم الالكتروني.
وبعيد مغادرة "فرقة التفتيش" جناح "حارس الأختام" في وزارة العدل في ساحة "فوندوم" التي تتوسّطها مسلّة طويلة يستقر عليها تمثال نابليون بونابرت، تلقى موريتي المقرّب من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، استدعاءً الى جلسة تحقيق من المقرر أن تنعقد، في قصر العدل في باريس، يوم الجمعة المقبل، وسط توقّعات بأن يتم الادّعاء عليه، بالجرائم المنسوبة إليه.
 
وكان لافتاً للانتباه أن وكلاء موريتي، وفي تعليقهم على ضخامة عملية التفتيش، قالوا: "يحسب المرء أنّ هناك جريمة فظيعة قد ارتُكبت".
إنّ هذا التعليق يفيد بأنّ فظاعة الجريمة تبرّر ضخامة الاجراءات التحقيقية.
 
يصعب على أيّ شخص معني بلبنان أن يمر على هذا التعليق، مرور الكرام، وهو يشاهد، يوماً بعد يوم، مآل التحقيقات في انفجار مرفأ بيروت الذي أوقع آلاف القتلى والجرحى وشرّد مئات الآلاف من منازلهم المدمّرة.
 
بطبيعة الحال، لا يطمح المرء الى أن تكون العدالة اللبنانية بفاعلية العدالة الفرنسية، لأنّ العدالة، ولو كانت نظرياً مبدأ إنسانياً شاملاً، إلّا أنّها في الواقع مسألة "تناسبية"، فحيث تنمو الديموقراطية تسمو العدالة، وحيث تتهاوى الديموقراطية تتشلّع العدالة.
 
ولكنّ المقارنة هنا، ليست بين ملف وزير فرنسي مرموق استغلّ منصبه لتحقيق أهداف خاصة فلوحق، ووزير لبناني ارتكب الجرم نفسه فبُرئ.
هذه المقارنة أسقطها اللبنانيون من حساباتهم، منذ وقت طويل، لأنّه في بلادهم، يبدو أنّ استغلال الوظيفة تحقيقاً لغايات خاصة، هو شرط لا غنى عنه، في معايير التوزير والتنويب والتوظيف.
 
إذاً "بيت القصيد" ليس في هذه النوعية من نزاهة السلطة، بل يكمن في ما هو أبسط بكثير. إنّه في المقارنة بين عدم توافر أي حصانة في فرنسا لوزير بمقام وزير عدل عامل، بجرم استغلال منصبه، في مقابل، فرض هذه الحصانة فرضاً، بطريقة تتناقض مع روح الدستور، لمصلحة وزراء سابقين وموظفين، في جريمة بحجم جريمة انفجار مرفأ بيروت.
 
ولم تصل العدالة في فرنسا، الى حيث وصلت، بين ليلة وضحاها، بل كانت رحلتها تراكمية.
لقد اكتشف قادة البلاد، بفعل تراكم التجارب، أنّ العدالة هي اللقاح الأهم الذي يحمي الديموقراطية من الفيروسات التي تفتك بها.
وتبيّن أن تحصين "النخبة الحاكمة" يقوّي التطرف والانفصال والانتقام والاحتقار ويمكن أن يؤدي الى ثورة.
 
وكان لا بد من رفع رايات العدالة عالياً، لجسر الهوّة التي راحت تفصل بين الطبقة السياسية، من جهة، والشعب من جهة أخرى.
وعليه، لم يكن أمام قادة فرنسا سوى إصلاح نظام محاسبة الرؤساء والوزراء.
 
كان ترك موضوع مساءلتهم للمجلس النيابي بمثابة حماية تامة من المساءلة، بفعل الحسابات السياسية والحزبية.
ولهذا جرى إنشاء "محكمة عدل الجمهورية" التي يجوز لها أن تلاحق الوزراء، عاملين أو سابقين، بالجرائم المرتبطة بمواقعهم الدستورية، من دون أي إذن من أيّ كان، في وقت لم تعد ملاحقة كبار الموظفين، أمام القضاء المختص، تحتاج الى أن تمر برؤسائهم التسلسليين.
 
لقد اكتشف المشرّع الفرنسي، وعن حق، أنّ الحصانة فقدت فلسفتها التأسيسية وتحوّلت الى "شريك جرمي"، على اعتبار أنّها تشكّل عاملاً أساسياً من عوامل تشجيع "المحصّن" على ارتكاب جريمته، بما يتوافر له من يقين بأنّه سوف يفلت من العقاب.
 
وعليه، أصبحت حصانة الجميع متوافرة في السلطة القضائية التي تمّ تزخيمها بما يلزمها من مقوّمات حتى تكون مستقلة، بما يكفي، عن السلطة التنفيذية كما عن قوى الضغط السياسية الأخرى.
 
بعض أوجه رحلة العدالة الفرنسية تظهر، بوضوح، في كتاب جديد أصدره القاضي المتقاعد حديثاً رينو فان رومبك، المعروف بمحاربته للفساد السياسي، ويحمل عنوان: "مذكرات قاض مستقل جدّاً".
 
في لبنان الذي انطلق قضاؤه من قواعد تشريعية وتنظيمية فرنسية، حصل العكس تماماً، إذ إنّ السلطة التنفيذية التي تناوبت عليها هذه الطبقة السياسية، عملت، بلا هوادة، لنزع كل استقلالية من السلطة القضائية.
 
ومع توالي الأيّام، أصبحت غالبية قضاة لبنان، ولا سيما في المراكز - المفاتيح، بتصرّف الطبقة الحاكمة، بفعل الآليات التي اعتُمدت في التشكيلات القضائية.
ويمكن اعتبار تجميد التشكيلات القضائية الأخيرة، بقرار من رئيس الجمهورية ميشال عون، نموذجاً صارخاً من ذلك، فعون، عندما عجز عن فرض قضاة موالين له في مناصب تصب في مصلحته، مارس صلاحية التعطيل.
 
وضرب القضاء في لبنان شكّل مصلحة مشتركة للطبقة السياسية، فجميع قواها من دون استثناء، توكيداً لقوتها، تريد فرض وصاية على القضاء.
الأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصر الله، وكلّما اتّخذ قاض قراراً لا يعجبه، هاجم ووعظ وأرشد. رئيس مجلس النواب نبيه بري قال، يوماً، ومن دون وجل، إنّ "الضعيف فقط يذهب الى القضاء". الرئيس المكلّف تشكيل الحكومة سعد الحريري لم يتردد في الإقدام على محاولة استيعاب رئيس حكومة تصريف الأعمال حسّان دياب بمناصرته على حساب استدعائه الى التحقيق في ملف انفجار المرفأ، بصفة مدعى عليه.
 
وهذه الوقائع ليست سوى نماذج بسيطة من طموح مستقر لدى الطبقة الحاكمة، بفرض سيطرتها التامة على القضاء لحماية "الأزلام" وترهيب "المتمرّدين" في نظام سياسي يراد له أن يكون "زبائنياً" بامتياز.
 
وفي لبنان، مع توالي الأيام، تمّ تعميم ثقافة تحقير القضاء، لإبقاء الإجرام ضمن عدّة العمل السياسي: الاغتيال، النهب، الرشوة، الإهمال و…إلخ.
إنّ ضحايا انفجار مرفأ بيروت يتكبّدون ثمن هذه الطبقة السياسية، ولقد كانت خسارتهم كبيرة جداً بعزل المحقق العدلي السابق فادي صوّان، الذي لم يجد أمامه لملاحقة من تحميهم الحصانات، سوى إسقاطها عنهم، ودفع السلطة القضائية الى فتح صفحة جديدة تعينها على "أن تربّي بعض العضل" في سواعد العدالة اللبنانية.
 
ولم يكن مقدّراً أن تسكت الطبقة السياسية على هذا النهج القضائي، فأحرقت فادي صوّان، لتجعله عبرة لكل قاض يمكن أن يفكّر بأن يرفع رأسه، يوماً.
إنّ المأساة التي تعصف بلبنان حالياً، لم تهب من فراغ، بل هي نتاج بديهي لغياب منطق العدالة وحضور منطق القوة.
 
ومنطق القوة الذي حلّ مكان منطق العدالة هو الذي يبقي هؤلاء المتحكمين بالبلاد والعباد، في مواقعهم بدءاً بـ"حزب الله" الذي يُسجَّل له أنّه "بطل العالم" بالوقاحة، دفاعاً عن المجرمين.
 
على أيّ حال، فيما وزير العدل الفرنسي يواجه احتمال الادعاء عليه، بعدما كان قد خضع لواحدة من أوسع عمليات التفتيش، نجحت الطبقة السياسية اللبنانية في تحويل الضمانات الدستورية التي أريد بها حماية المستضعف من المستقوي، الى رافدة للمستقوي حتى يرتكب ما يشاء من الجرائم ضد المستضعف.
 
في الحالة الفرنسية، وعلى الرغم من المشهديات القوية التي تُحسب للعدالة، هناك من يطالب بالمزيد، أمّا في الحالة اللبنانية، فمن المؤسف إبلاغ ضحايا جريمة المرفأ وغيرها من الجرائم الإرهابية والخطرة، أنّ انتظار العدالة من القضاء لن يجدي، ففاقد الشيء لا يعطيه. القضاء نفسه يعيش أبشع صنوف الظلم. ليس في قوانين تجعل سلطته جهيضة واسماً على غير مسمّى فحسب، بل أيضاً، في توزيع الأعمال على القضاة أنفسهم، بحيث "يعفّن" المستقل فعلاً، في زوايا مهملة، ويتألّق التابع الموثوق، في المناصب المرموقة.
 
وعليه، إن من يريد العدالة عليه، حتى إشعار آخر، ألّا يطلبها من قصور العدل بل من الساحات.
إنّ الرابع من آب (أغسطس) المقبل يمكن أن يكون مناسبة وطنية، "إذا الشعب يوماً أراد العدالة"، لأنّ ترك الأمور على عاتق الطبقة السياسية الحالية، يعني الاستسلام لمزيد من الظلم والحرمان والفقر والنهب والقتل والاغتيال والتهجير والتدمير والذل والتسويف.
 
إن انفجار مرفأ بيروت، لم يكن في الواقع، سوى كارثة تعبيرية عن حال وطن بأكمله، خسر أوّل ما خسر، عدالته!
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم