إعلان

بايدن في أوروبا يواجه شكوك الحلفاء وتحدي بوتين

المصدر: النهار العربي
واشنطن- هشام ملحم
الرئيس الاميركي جو بايدن وزوجته جيل
الرئيس الاميركي جو بايدن وزوجته جيل
A+ A-
فور وصوله الى اوروبا للمرة الاولى كرئيس للولايات المتحدة بعث جوزف بايدن برسائل واضحة للحلفاء الاوروبيين وللخصوم في روسيا والصين وهو محاط بمئات العسكريين الاميركيين في قاعدة  ميلدنهال التابعة لسلاح الجو البريطاني مؤكداً "عودة" الولايات المتحدة من الصحراء السياسية التي جرّها اليها سلفه دونالد ترامب، لقيادة الدول الديموقراطية في العالم ولمواجهة الائتلاف الاوتوقراطي الصاعد في العالم بقطبيه الصيني والروسي.
 
عندما بدأ بايدن حياته السياسية كمشّرع في مجلس الشيوخ قبل أقل من نصف قرن، كانت الولايات المتحدة القوية باقتصادها ونظامها السياسي تقود العالم الديموقراطي الرأسمالي في مواجهة وجودية ضد الشيوعية العالمية بقيادة الاتحاد السوفياتي الذي لم تستطع صواريخه العابرة للقارات آنذاك اخفاء ضعفه الداخلي. الرئيس بايدن يرى العالم اليوم مقسوما بين معسكرين: أوتوقراطي صاعد وعدائي كما يتبين من سياسات وطموحات الصين وروسيا، وديموقراطي في موقع دفاعي حيث لم تلتئم بعد الديموقراطية الاميركية  من الجراح التي منيت منذ خمسة اشهر بعد اقتحام مبنى الكابيتول من قبل مئات الرعاع المعادين للديموقراطية، وبعد الاضرار التي تعرضت لها العلاقات بين الولايات المتحدة واوروبا بسبب سياسات سلف بايدن، دونالد ترامب.
 
وهذا ما عناه بايدن حين قال في كلمته الاولى في اوروبا " أعتقد اننا في نقطة انعطاف في تاريخ العالم، نحن في لحظة يجب علينا ان نثبت فيها ان الديموقراطيات لن تبقى فقط على قيد الحياة، بل سوف تتفوق وتغتنم الفرص الضخمة المتوفرة في هذا العصر الجديد". كلام بليغ، ولكن ترجمته الى حيز الواقع، في الوقت الذي تواجه فيه الولايات المتحدة ومعظم الديموقراطيات الاوروبية تحديات داخلية سياسية عميقة وشكوك حول قدرتها على مواجهة الموجة الاوتوقراطية الصاعدة، سوف يكون تحديا تاريخيا بالفعل.
 
غادر بايدن واشنطن وتركها في عهدة نائبته كامالا هاريس ومدير البيت الابيض رون كلاين، لمواصلة المفاوضات المتعثرة مع الجمهوريين بشأن خطته الطموحة لإعادة بناء البنية التحتية المترهلة للبلاد، وبعد ايام من رفض الجمهوريين الموافقة على لجنة تحقيق مستقلة  في الكونغرس للتحقيق بأسباب ومضاعفات اقتحام الكابيتول، في مؤشر آخر حول استمرار هيمنة الرئيس السابق ترامب على الحزب الجمهوري.  اضافة الى استمرار جهود الجمهوريين في الولايات التي يسيطرون عليها عبر مجالسها المحلية في تغيير قوانين الانتخابات المحلية لخلق عقبات اجرائية وادارية بوجه الناخبين الديموقراطيين في هذه الولايات. هذه المحاولات الجمهورية تهدف الى استخدام القوانين والمجالس المحلية المنتخبة لخلق حقائق اوتوقراطية على الارض تفرّغ الديموقراطية الاميركية من محتواها الحقيقي.
 
القادة الاوروبيون سيرحبون ببايدن لأسباب عديدة أبرزها انه يمثل النقيض لترامب، ولأنه رئيس اميركي يؤمن بالدور الطليعي لأميركا في العالم. ليس لدي قادة اوروبا أي سبب يجعلهم يشككون بصدقية بايدن، او جدية وعوده . ولكن هؤلاء القادة يدركون، ما يدركه أي مراقب جدي للمشهد السياسي الاميركي الراهن: الاكثرية الديموقراطية الهشة في مجلسي الكونغرس يمكن ان تنهار في الانتخابات النصفية في 2022، مع احتمال عودة الجمهوريين للسيطرة على مجلس النواب، وربما ايضا مجلس الشيوخ. في الايام الماضية برزت أكثر الى السطح معضلة بايدن مع أكثريته المتزعزعة في مجلس الشيوخ، والتي يجسدها السناتور الديموقراطي جو مانشين (عن ولاية ويست فيرجينيا الجمهورية جدا)  الذي يرفض التعاون مع زملائه الديموقراطيين حول بعض القضايا الاجرائية التي يمكن ان تسهل اقرار برامج بايدن في المجلس. سناتور ديموقراطي واحد قادر على تعطيل ادارة ديموقراطية تسيطر، نظريا على الاقل، على البيت الابيض ومجلسي الكونغرس.
 
الرئيس بايدن لا يستطيع ان يقنع أي قائد أوروبي حليف يطرح عليه السؤال البسيط التالي: هل يمكن ان تضمن لنا ان الرئيس الجمهوري المقبل، ان كان في 2024 او 2028 لن يعود لاتباع بعض سياسات دونالد ترامب تجاه حلفاء اميركا التقليديين في حلف الناتو،، خاصة وان الطروحات الترامبية لا تزال حاضرة بقوة في صفوف القاعدة الجمهورية، بما في ذلك وجود أكثرية جمهورية لا تزال تصدق "الكذبة الكبرى" التي لا يزال ترامب وغيره من قادة الحزب يروجونها، وهي ان بايدن والديموقراطيين سرقوا الانتخابات منه؟ 
 
يحاول بايدن منذ وصوله الى البيت الابيض، بسلوكه ومواقفه السياسية وطموحاته التشريعية اعادة العافية الى النظام الديموقراطي الاميركي، ولكنه يواجه مقاومة متزايدة من الجمهوريين وخاصة من قادتهم في الكونغرس ومعظمهم يتأثرون بإرشادات ترامب، لتقويض سياسات بايدن الداخلية والخارجية كما فعلوا بفعالية كبيرة خلال سنوات الرئيس الاسبق باراك اوباما الثمانية في البيت الابيض.
 
سوف يراقب الحلفاء والخصوم باهتمام كبير اجتماع القمة الاول بين الرئيسين بايدن وفلاديمير بوتين يوم الاربعاء المقبل في جنيف. منذ اسابيع وبايدن يبعث بالرسائل القوية لبوتين، بانه لن يتساهل مع الرئيس الروسي في انتهاكاته السياسية والالكترونية للولايات المتحدة وشركاتها، وانه سيتخذ مواقف قوية تجاه سياسات روسيا الترهيبية لاوكرانيا وللحلفاء الاوروبيين وانه سيناقش معه قضايا لا يريد بوتين مناقشتها مثل انتهاكات حقوق الانسان واستمرار قمع المعارضة الروسية. فور هبوطه في بريطانيا، تعهد بايدن بان يقول لبوتين " ما أريده ان يعرفه".
 
ولكن بوتين الاوتوقراطي المخضرم  يجيد فن ارسال الرسائل السياسية الضمنية وكذلك الفظة، لخصومه ويفعل ذلك بتلذذ في معظم الاحيان. قبل ايام قال بوتين ان بايدن لا يستطيع القاء المحاضرات حول القيم الديموقراطية بعد حادثة اقتحام مبنى الكابيتول واعتقال المئات من الذين شاركوا في اعمال العنف في السادس من يناير الماضي. وقبل وصول بايدن الى أوروبا أصدرت محكمة روسية ( بتوجيهات من بوتين، كما قال المسؤولون الاميركيون) بتصنيف الحركة المعارضة التي يقودها المعارض الروسي المعتقل أليكسي نافالني كتنظيم متطرف. المسؤولون الاميركيون والمراقبون اعتبروا هذا التصنيف الاعتباطي رسالة تحد فظة من بوتين الى بايدن قبل قمة جنيف تقول ببساطة : هذه مسألة داخلية نقاشها ممنوع. وكان بوتين قد قال في مؤتمر صحفي الاسبوع الماضي انه مستعد لمناقشة قضايا جيو-سياسية وقضايا الفضاء الالكتروني مع بايدن " ولكن مواقفنا تختلف حول نظامنا السياسي. أعطونا الحق في تنظيم هذه الناحية في حياتنا".  
 
قمة جنيف، سوف تكون مختلفة كليا وفي العمق عن لقاءات بوتين مع الرئيس السابق ترامب، الذي ناقض علنا تقويم الاستخبارات الاميركية للانتهاكات الروسية، ووافق على ادعاءات بوتين خلال قمة هلسينكي الشهيرة. لا نعرف ما الذي سيصدر عن قمة جنيف قبل انعقادها، ولكن ما هو واضح  ان الاجواء التي سبقتها سلبية ويمكن ان تجعلها اختبارا صعبا للرئيس بايدن مماثلا لاخر قمة متوترة بين بوتين والرئيس الاسبق باراك اوباما. بايدن يعرف بوتين كمفاوض صعب حين التقى به كنائب للرئيس. هذه المرة قمة جنيف تأتي في ظروف صعبة لبايدن بسبب العبء الثقيل الذي تركه ترامب لخلفه بايدن، ان كان في علاقاته المريبة مع بوتين، أم بسبب النكسة الكبيرة التي الحقها انصار ترامب، وبتحريض منه بمعقل الديموقراطية الاميركية حين اقتحموا بالقوة مبنى الكابيتول في السادس من يناير الماضي.  




  

  

الكلمات الدالة