إعلان

الورقة الأهمّ لـ"ترطيب" الأجواء عشيّة قمّة بايدن - أردوغان

المصدر: النهار العربي
سركيس قصارجيان
مطار كابول
مطار كابول
A+ A-
 تحرص أنقرة على تكثيف الرسائل الإيجابية باتجاه واشنطن بهدف "ترطيب" أجواء اللقاء المرتقب بين الرئيس التركي ونظيره الأميركي في الرابع عشر من الشهر الجاري، على هامش قمة حلف الشمال الأطلسي في بروكسل، مؤكدة عزمها على تقوية علاقتها وإحراز تقدم في حوارها مع واشنطن، على الرغم من تجاوز مستوى الحساسية بين الطرفين في الكثير من الملفات حد التشنّج الدبلوماسي.
 
تأكيد التعاون الإقليمي، وتبني مهام مسهّلة في دول مثل أفغانستان وليبيا، والانفتاح على مناقشة كل "الملفات المزعجة"، أبرز عناوين رغبة تركيا في الحفاظ على العلاقات مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ضمن سياستها الطارئة والمسماة بـ"الأجندة الإيجابية".

"قمّة منتظرة" بالنسبة إلى تركيا
انتظر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان اتصال نظيره الأميركي، وبات إحجام الوافد الجديد إلى البيت الأبيض عن التواصل مع أنقرة في الأسبوع الأول من تولي مهامه بحسب العرف الدبلوماسي بين الحليفين، مصدر قلق تركي بالنسبة الى السلطة، وورقة ضغط إضافية من المعارضة التركية على غريمها.
 
وبعد انتظار تجاوز الثلاثة أشهر، جاء الاتصال المرتقب بتوقيت ومضمون مخيّب للآمال وغير ذي جدوى للاستثمار السياسي أو تهدئة الجبهة الداخلية تركياً. فالرئيس الأميركي، الذي عُرف بمواقفه المتشددة اتجاه أردوغان منذ انتقاداته اللاذعة له خلال حملته الانتخابية وحتى ما قبلها، إبان ولاية باراك أوباما، أعلم نظيره التركي قبل يوم واحد من ذكرى الإبادة الجماعية الأرمنية في الرابع والعشرين من نيسان (أبريل) أنه بصدد استخدام مصطلح "الإبادة" كثاني رئيس أميركي بعد ريغن في وصف "المأساة الأرمنية" إبان الحرب العالمية الأولى، والتي تعتبر من أكثر المواضيع حساسية في السياسة التركية الداخلية والخارجية على حد سواء.
 
وعبّر الرئيس التركي عن انزعاجه من الاتصال المذكور بالقول: "ما هو سبب هذا التوتر؟ ما يسمى بالإبادة الجماعية للأرمن. لقد مللنا. أنهيت كل أعمالك والآن تتولى مهمة محامي دفاع عن الأرمن؟ دع هذه المهمة للمؤرخين والمحامين ليقوموا بعملهم...".
 
تكثيف الحركة الدبلوماسية بين الطرفين بعيد المكالمة، وتكرر مناسبات التواصل بينهما على مستوى وزير الخارجية التركي مولود شاووش أوغلو ونظيره الأميركي أنطوني بلينكين ومستشاري زعيمي البلدين إبراهيم كالين وجايك سوليفان، أشار بوضوح إلى عدم رغبة كلا الطرفين في تدهور العلاقات أكثر، والسعي الى الوصول إلى قواسم مشتركة أو نقطة انطلاق نحو صيغة جديدة العلاقات الثنائية.
 
وبعد سلسلة من التصريحات الإيجابية من الرئيس التركي ووزير خارجيته، جاء تصريح مستشار الأمن القومي الأميركي جايك سوليفان بأن "بايدن وأردوغان يتطلعان إلى اغتنام هذه الفرصة (لقاء قمة الناتو) لمراجعة جميع جوانب العلاقات المشتركة"، مطمئناً لأنقرة ومنسجماً مع خطابها التوافقي المستحدث.
 
ورأت الصحافية التركية المختصة في الشؤون السياسية، بارتشين ينانج، في تصريحات الى "النهار العربي"، أن "الاختلافات (بين واشنطن وأنقرة) لا يمكن حلها من خلال قمة الرئيسين وخلال نصف ساعة أو ساعة على أكبر تقدير"، مؤكدة في الوقت نفسه أن الطرفين "حريصان على عدم قلب الطاولة بسبب المشكلات والملفات العالقة، في ظل رغبتهما في البحث عن حقول للتعاون في المواضيع المتفق عليها أو التي يمكن الوصول إلى اتفاق عليها، باعتبارهما غير متفقين في الكثير من الملفات".

أفغانستان الورقة التركيّة الأهمّ 
في خطوة يمكن وصفها بمبادرة تركية لتلطيف الأجواء ما قبل لقاء القمة، قدّمت أنقرة طرحاً إلى الإدارة الأميركية في أيار (مايو) الماضي حول استعدادها لتعبئة جزء من الفراغ المتوقع حصوله غداة قرار واشنطن الانسحاب من أفغانستان مع حلول تاريخ 11 أيلول (سبتمبر) المقبل، وذلك عبر عرضها تولي حماية مطار كابول وإدارته.
 
ورأت ينانج أن "العرض التركي يمكن فهمه في إطار بدء المحادثات بمبادرة إيجابية، لأن الانتقال من الإيجابيات إلى السلبيات في مثل هذه اللقاءات أسهل وأفضل من نقيضها"، مشددة على أن تركيا "حريصة في الوقت ذاته على عدم البقاء بمفردها في مطار كابول، ووجود القوات الأميركية فيه، ولو رمزياً، مهم بالنسبة اليها، إضافة للشروط التركية الأخرى".
 
وقال وزير الدفاع خلوسي أكار في تصريحات الى صحيفة "حرييت" التركية: "نلتقي مع الأميركيين بخصوص أفغانستان. تحدثنا في اجتماع وزراء دفاع الناتو يوم الثلثاء. لدينا نية البقاء في أفغانستان لكن بشروط توفير الدعم السياسي والمالي واللوجستي (لنا). إذا تم ذلك، يمكننا البقاء في مطار حامد كرزاي الدولي. نحن في انتظار الرد الأميركي. الشعب الأفغاني إخواننا. الهدف هو إحلال السلام في أفغانستان. لدينا أخوة تاريخية. نريد البقاء في أفغانستان ما دام الشعب الأفغاني يريد بقاءنا، ونحن قادرون على مساعدتهم".
وعبّرت ينانج عن اعتقادها بأن تركيا "لن تقدم تنازلات في شروط البقاء مقابل ترطيب أجواء اللقاء، لأن الهدف الأساسي من العرض التركي ليس اللقاء بحد ذاته، برغم أهميته، بل بالإضافة إلى الأواصر التاريخية الوثيقة بين تركيا وأفغانستان، فإن مصلحة أنقرة في البقاء تتمثل بحرصها على عدم عودة الحرب الطاحنة إلى هذا البلد، ما يعني استقبال موجات هجرة جديدة من اللاجئين الأفغان مدفوعين بسوء الأحوال الأمنية والمعيشية".
 
ودعّمت بارتشين، التي كانت برفقة الوفد التركي، الذي كان أول وفد دبلوماسي يزور كابول في كانون الأول (ديسمبر) 2001 غداة انسحاب "طالبان" من العاصمة، فكرة الرابط التاريخي بين الشعبين، راوية أنها "شاهدت في حينه السفارة التركية في كابول واقفة من دون أضرار في منتصف الدمار الذي شهدته العاصمة الأفغانية نتيجة الحرب، وهي (السفارة) كانت بمثابة الدرع الآمنة لجميع الدبلوماسيين الأجانب الذين كانوا يقصدونها للشعور بالأمان خلال فترة الحرب".

الجيش كمنتج للتّصدير
مقابل إيجابية الطرح التركي من ناحية تحقيق المكاسب من جهة، وتهدئة الأجواء مع الولايات المتحدة من جهة أخرى، فإن عرض أنقرة مجدداً للقوة العسكرية على طاولة المفاوضات، سيحيي النقاشات في الداخل ويؤدي إلى تجدد اتهامات المعارضة التركية للسلطة باللجوء إلى "طرح الجيش كمنتج وحيد قابل للتصدير" مقابل الانتكاسة التي تعرّضت لها القدرة الدبلوماسية التركية وتضيق أفقها من جهة، وتراجع صادراتها من المنتجات الصناعية التركية وقدرة شركات المقاولات العملاقة في الحصول على مشاريع وعقود عالمية عامة وخليجية خاصة، ما أثّر في الاقتصاد التركي المعتمد في الفترة الأخيرة على تصدير العسكرة والتكنولوجيا العسكرية فقط.
 
أما الخطورة الثانية في المبادرة التركية فتكمن في إمكان أن يؤدي بقاؤها في كابول إلى خسائر بشرية في الجنود الأتراك، أو مالية لجهة استنزاف الدعم الفني واللوجستي الذي تحتاجه القوات التركية لمواصلة مهمة حماية مطار كابول وإدارته، بخاصة في ظل نشاط قوات "طالبان" العسكري المتجدد، والذي أدّى إلى إحرازها تقدّماً ميدانياً كبيراً على حساب القوات الحكومية المدعومة من واشنطن العازمة على الانسحاب.
 
وفيما تقلل ياننج من تأثير خطاب المعارضة في الرأي العام التركي، الذي "لا يعتبر بقاء الجنود الأتراك في أفغانستان تحت مظلة الناتو شبيهاً بالوجود المرفوض للقوات التركية في سوريا"، فإنها تستشهد أيضاً بالروابط التاريخية والدينية والثقافية بين الشعبين التركي والأفغاني لتأكيد الفكرة السابقة من جهة، وضمان سلامة القوات التركية من جهة أخرى.
 
 
الكلمات الدالة