إعلان

تذكّروا أنكم تحت الاحتلال

المصدر: النهار العربي
غسان زقطان
غسان زقطان
مستوطنون يقتحمون قبر يوسف
مستوطنون يقتحمون قبر يوسف
A+ A-
منتصف ليلة أمس وصل ثلاثة آلاف مستوطن الى موقع "قبر يوسف" في منطقة "بلاطة" شرق نابلس، عدد المستوطنين هو الأكبر منذ تفشي كوفيد 19، الاتفاق المشوّش بين السلطة الفلسطينية وسلطات الاحتلال الذي يسمح بوصول هذه الأعداد من "الزوار"، من دون تدخل حقيقي من الجانب الفلسطيني، يسمح أيضاً بتجاوز البنود الغامضة للاتفاق، ويحول مثل هذه "الزيارات" ما يشبه حملات الاجتياح للمدينة، حملات عنيفة لمجاميع من المتطرفين ترافقها قوات كبيرة من جنود الاحتلال لحمايتها، ويحول الأمر تهديداً حقيقياً للمدينة وسكانها، تحديداً الأحياء المحيطة بالمقام.
 
تقدم مسيرة المستوطنين وزير شؤون القدس في حكومة نتنياهو الحاخام المتطرف رافي بيرتس ورئيس مجلس المستوطنات يوسي داغان، بيرتس اعتبر هذه المسيرة رسالة توضح للحكومة الجديدة أن الرد الصهيوني على الفلسطينيين يكون بمواصلة الاستيطان، وأن هذا بالضبط القرار الأول الذي على الحكومة أن تتخذه حال تشكلها. 
 
فكرة تقديس القبر ظهرت بعد احتلال إسرائيل الضفة الغربية عام 1967، تقديس محمول على رواية أن عظام النبي يوسف ابن يعقوب نقلت من مصر الى شكيم شرق نابلس، بينما يتفق معظم الدارسين على أن عمر القبر لا يتعدى بضعة قرون، وأنه يعود لشيخ مسلم اسمه يوسف دويكات ولد وعاش وتوفي خلال الحقبة العثمانية، ولكن الفكرة، تقديس الموقع، تبدو ملائمة للاحتلال وتوفر إمكان تنفيذ اقتحامات محمية بالجيش والميثولوجيا معاً. 
 
شهد المقام حوادث دموية ومواجهات عنيفة بين الفلسطينيين وقوات الاحتلال وصلت الى إحراقه وتدميره، وانتهت بانسحاب الجيش الإسرائيلي وتسليمه للسلطة عام 2000 التي أعادت ترميمه وتأهيله كمعلم أثري.
 
على مدخل بيت لحم الشمالي يقع بناء مملوكي عثماني تعلوه قبة كان قبل الاحتلال الإسرائيلي "جامع بلال بن رباح"، حيث تقول الرواية المتداولة إن بلالاً أذّن فيه عندما كان برفقة عمر بن الخطاب في رحلته لتسلم القدس من صفرونيوس، وهو الموقع نفسه الذي يطلق عليه المتدينون اليهود "قبة راحيل"، راحيل هي زوجة يعقوب وأم يوسف، وتقول الرواية إنها توفيت في الطريق الى القدس ودفنها يعقوب هناك ووضع على قبرها اثني عشر حجراً.
 
القبة الآن محاطة بالجدار، والموقع تحول ثكنة عسكرية للاحتلال أقيم بموازاته "حاجز قبة راحيل" أو "الحاجز 300 العسكري"، الذي يخنق بيت لحم ويغلق الطريق الى جنوب الضفة، وقد تحوّل نقطة اشتباك شبه دائمة بين الشبان الفلسطينيين وجنود الاحتلال، تماماً كما هو قبر يوسف في مدخل نابلس الشرقي.
 
في الثالثة فجراً، أو حولها، من الليلة نفسها تسللت قوة خاصة إسرائيلية الى مدينة جنين، وأطلقت النار على موقع حراسة مكشوف لأحد الأجهزة الأمنية الفلسطينية، حيث اغتالت ضابطين فلسطينيين وأسيراً سابقاً، الاشتباك الذي جرى إثر عملية الاغتيال كان قصيراً وكثيفاً، انسحبت على إثره القوة المتسللة، ولكن التوتر الذى سرى في المدينة شمال الضفة وتشييع الشهداء، ينذران بأن الأمور ستذهب أبعد.
 
قبل مسيرة المستوطنين الى قبر يوسف في نابلس والاشتباك في جنين بساعات، سار المئات من المستوطنين في شوارع القدس وحاراتها القديمة، في مسيرة "الأبواب الشهرية" وهم يحملون صور "هيكل سليمان"، ووقفوا أمام أبواب المسجد الأقصى، بينما لا يزال الجدل قائماً في إسرائيل حول مسيرة الأعلام.
 
في الجنوب  شرع مستوطنون في تجريف حوش "قفيشة وشريف" قرب الحرم الإبراهيمي في وسط مدينة الخليل القديمة، حيث تعيش أربع عائلات فلسطينية.
في ساعات الفجر الأولى أول من أمس، اقتحمت ثماني دوريات عسكرية، بحسب شهود عيان، حي الطيرة في رام الله، أطلق الجنود الرصاص وأضواء الكشافات على نوافذ البيوت، وألقوا قنابل صوتية  على أبواب البنايات وفي حدائق المنازل وأرجاء الحي واقتحموا بعض البيوت، بينما كانت قوة أخرى تقتحم أحد أحياء مدينة البيرة الملاصقة لرام الله في الاستعراض الليلي نفسه الذي يكاد يكون متواصلاً. 
 
كان الهدف، هذه المرة، مؤسسة لجان العمل الصحي التي تقدم خدماتها لآلاف العائلات في الفلسطينية في الضفة الغربية، من بين المعتقلين، كما اتّضح أعضاء في "بورد" المؤسسة الأهلية، من بينهم مدرس رياضيات متقاعد ومعروف على نطاق واسع، قبل انسحاب الجنود أصدر ضابط الدورية قراراً بإغلاق المؤسسة الصحية لمدة ستة أشهر.
 
ثمة الكثير يمكن إضافته هنا حول ليالي الضفة الغربية وأيامها، حيث تدور المواجهة الحقيقية مع الاحتلال حول كل شجرة وكل بيت وعلى كل حاجز، وأين تنتشر قبور كثيرة وتتكدس روايات صعدت من رفات ميتين لتتجول في مسيرات الأموات الأحياء التي ينظمها المستوطنون، مواجهة لا يمكن تبنّيها من نوافذ "المقاطعة" في رام الله أو شاشات مكاتب "الإخوان المسلمين" في الدوحة، أو ملفات الموظفين وسفراء منظمة التحرير حول العالم، ولا تصل الى وفود "الفصائل" في القاهرة،  أين تحدث "جلسات حوار وطني" في زمن افتراضي خالد.
 
يقول جندي احتياط إسرائيلي اسمه يهودا شاول لقناة فرنسية: "لا يمكن أن تخرج من الضفة الغربية بيدين نظيفتين، الأمر ببساطة هو إرهاب الفلسطينيين، خدمت في الخليل 14 شهراً، وكانت مهمة دورياتنا اقتحام البيوت، لا على التحديد، وإيقاظ الناس من فراشهم وتفتيشهم في بيوتهم، والقفز فوق أسطح المدينة القديمة، ذلك هو عملنا تذكير الفلسطينيين بالاحتلال وتبديد إحساسهم بالأمان".

 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم