إعلان

صراعات الجزائر والمغرب في العمق الأفريقي... أي تداعيات؟

المصدر: النهار العربي
أزراج عمر  
أزراج عمر  
الحدود الجزائرية - المغربية
الحدود الجزائرية - المغربية
A+ A-
يرجع تدهور العلاقات الجزائرية - المغربية إلى إعادة إنتاج هذين البلدين الشقيقين لميراث حدود الاستعمار الفرنسي، وإلى انسداد الحوار حول القضية الصحراوية التي تمثل بدورها إرثاً استعمارياً إسبانياً.
 
ويعني هذا الوضع المتأزم للمراقب المحايد أن المغرب والجزائر لم يفكَا الارتباط بعد بألغام هذين الميراثين اللذين سمَما، طوال مرحلة الاستقلال، المرجعية التاريخية الواحدة للبلدين، الأمر الذي جمد ولا يزال يجمد فرص نجاح البلدين في تجاوز خلافاتهما، ويضعان الاتحاد المغاربي في مأزق قد فرَغ ولا يزال يفرغ المحتوى الاقليمي التنموي والأمني الذي أنشئ هذا الاتحاد لتجسيدهما سعياً لتحقيق القطيعة مع مخلفات التخلف من طريق تفعيل آليات بموجبها يصبح التكامل المغاربي بكل أشكاله عنوان المرحلة ينجز الرفاهية لصالح أبناء المنطقة المغاربية.
 
ويبدو واضحاً أن البقايا القليلة للبنيات المادية والثقافية والروحية التي كانت تربط الجزائر بالمغرب قد بدأت تتهاوى واحدة بعد الأخرى منذ الاستقلال بدءاً من عام 1963، وقد تكرس تحطيم هذه البنيات منهجياً أكثر فأكثر بسبب الغياب الكامل للجامعة العربية التي لم تساعدهما في التغلب على الاختلافات بينهما بوسائل التسوية والحوار العقلاني الذي يفترض أن يكون بين الأشقاء.
 
ومن مظاهر تفتت الأواصر الرابطة بين الجزائر والمغرب ما حدث في الأيام القليلة الماضية حين دشّن وزير الطاقة والمناجم الجزائري، محمد عرقاب، أكبر أنبوب لنقل الغاز الجزائري إلى أوروبا انطلاقاً من منطقة القصدير في محافظة النعامة الصحراوية ومروراً بشاطئ الهلال بمحافظة عين تموشنت ثم بحراً إلى إسبانيا وباقي الدول الأوروبية.
 
في هذا الخصوص أعلنت السلطات الجزائرية أن هذا الأنبوب سيحل محل الأنبوب الذي يمر في التراب المغربي ثم عبر البحر إلى إسبانيا والدول الأوروبية التي وقعت مع الجزائر اتفاق استيراد الغاز الجزائري. إن استحداث الجزائر لهذا الأنبوب يعني مباشرة أن عقد شراكة نقل الغاز إلى أوروبا الموقع منذ عام 1997 بين الجزائر والمغرب والشركاء الأوروبيين لن يُجدد مع المغرب بعد انتهائه في آخر سنة 2021 ما سيجعل المملكة المغربية تخسر مبلغ 700 مليون درهم مغربي سنوياً وهو الذي كان يصب في خزينة الاقتصاد المغربي.
 
إلى جانب هذا الحدث ذي الطابع الاقتصادي ظاهرياً والسياسي باطنياً، والذي سيؤثر تأثيراً بالغاً في مستقبل العلاقات الجزائرية – المغربية، هناك استمرار تفاقم الأزمة القاتلة التي أصابت ولا تزال تصيب دول الاتحاد المغاربي التي تتصرف مثل أقاليم الطوائف، وقد أدى هذا النمط من التصرف السلبي ولا يزال يؤدي إلى إعادة الاحتلال الأجنبي بأقنعة شتَى إلى منطقتنا وهو ما سيكرّس هذا الاختراق للدول الأجنبية للأمن المغاربي برمته بواسطة تمركز القوات والميليشيات العسكرية لهذه الدول في ليبيا التي صارت فضاء تصفّى فيه حسابات القوى المتصارعة على النفوذ في منطقة شمال أفريقيا والبحر المتوسط سعياً منها لتمرير أجندات السيطرة التي ليست في مصلحة الليبيين أو مواطني منطقة شمال أفريقيا كلها حاضراً أو على المديين المتوسط والبعيد.
 
وزيادة على ذلك، فإن نكوص الجزائر والمغرب إلى هذا الميراث الاستعماري قد صار يُعدي الآن بأزماته المتتالية هيكل الاتحاد الأفريقي ويقسم دوله إلى ملل ونحل بدلاً من توحيد مواقفه السياسية وإمكاناته الاقتصادية والفلاحية والصناعية والثقافية لربح معركة تحديث وتطوير أفريقيا التي عانت بدورها طويلاً من كدمات وصدمات الاحتلال الاستعماري الأوروبي.
 
إن نقل الصراع الجزائري المغربي إلى العمق الأفريقي يتخذ راهناً مسارين أولهما يتمثل في تقسيم الدول الأفريقية السمراء تجاه المسألة الصحراوية حيث هناك دول أفريقية كانت ولا تزال تعترف بمنظمة "البوليساريو" ودور الأمم المتحدة في تصفية النزاع في المنطقة من طريق تقرير المصير، وهناك دول أفريقية اعترفت بها ثم سحبت اعترافها منها وثمة دول أفريقية تقف في الصف المغربي.
 
وفي كلا الحالتين فإن منظمة الاتحاد الأفريقي تواجه هذا الانقسام داخل نسيجها القاري، الأمر الذي يعقد انتقال الدول الأعضاء فيها بسلاسة إلى بناء التكامل الأفريقي بكل أشكاله الاقتصادية والأمنية والعسكرية بخاصة أن قيادات قارة أفريقيا تتجاذبها تحالفات ذات طابع ما بعد كولونيالي معروفة مع القوى الكبرى منها فرنسا التي لها حضور عسكري وأمني واقتصادي فعلي في القارة فضلاً عن حضورها الثقافي المتمثل في تأثير رابطة منظمة الفرنكوفونية التي تمارس الهيمنة على البنية الثقافية واللغوية الأفريقية. وثمة نفوذ بريطاني بواسطة هياكل منظمة الكومنولث البريطاني ذات الطابع الثقافي والاقتصادي والأمني حيناً آخر. وهناك في الواقع النفوذ القوي للصين في مفاصل الاقتصاد الأفريقي حيث تعتبرها جريدة "الايكونوميست" البريطانية في عددها السنوي الخاص أفضل أصدقاء أفريقيا، وتقدر هذه الصحيفة استثمارات الصين في القارة الأفريقية حتى الآن بما لا يقل عن 60 مليار دولار تتقاسمها أكثر من 10 آلاف شركة صينية.
 
أما المسار الثاني الذي يتحرك من خلاله الصراع الجزائري – المغربي، فيتلخص في التسابق إلى بناء كليهما للطرق الواصلة مع أفريقيا مثل طريق الوحدة الأفريقية الجزائري، وفي النزاع على أنبوب الغاز مع نيجيريا حيث أن الجزائر ترى أنها الأحق بهذه الصفقة لأسباب تتعلق بقصر المسافة بينها وبين نيجيريا وقلة التكاليف فضلاً عن عدم مرور الأنبوب بدول كثيرة ما عدا دولة واحدة وهي النيجر ما يحول دون نشوب الصراع حول الحصص. وفي هذا الشأن ثمة معارضون لهذا المشروع بحجة أن منطقة الساحل بما في ذلك دولة النيجر التي ما فتئت تشهد العمليات الإرهابية، وهو الأمر الذي يرجح أن يدمر أنبوب الغاز الذي يمر بأراضيها. ولكن المغرب يرى أنه الأحق لأن هذا الأنبوب ينطلق من نيجيريا ويمر في دول عدة بأفريقيا الغربية ما سيساهم في تنميتها اقتصادياً. ولكن الخبراء يرون أن عدم تسوية قضية الصحراء الغربية أمر يحول دون توفير الضمانات الأمنية لبناء هذا الأنبوب بخاصة أن "جبهة البوليساريو" قد أعلنت مراراً أنها ترفض هذا الأنبوب رفضاً قاطعاً.
 
ويلاحظ أن الجزائر والمغرب تحاولان استخدام نفوذهما في أفريقيا على الطرق الصوفية التي لها حضور معنوي قوي في هذه القارة وبخاصة الطريقة الصوفية التيجانية التي لها أتباع مهيكلون تنظيمياً يقدّرون بعشرات الملايين في العمق الأفريقي، ولكن هذا النوع من التأثير الديني المعنوي لا يسمح للجزائر والمغرب بمفردهما، وفي ظل الموت الاكلينيكي للاتحاد المغاربي وتطور الصراع الهدام بينهما، أن يؤديا دوراً طليعياً قيادياً للدول الأفريقية التي بدأت تحذو حذو النمور الاقتصادية الآسيوية وتنجز بالملموس قفزات تنموية نوعية حداثية في شتى المجالات تفوق كثيراً وتيرة التنمية المتعثرة في الجزائر والمغرب معاً.
 
وأكثر من ذلك، فإن هاتين الدولتين المغاربيتين لا تقدران في المدى المنظور على الأقل أن تنافسا في القارة السمراء جبروت الدولتين النوويتين، وهما فرنسا وبريطانيا والعملاق الصيني بمليار ونصف المليار صيني وعضو مجلس الأمن الدولي الذي يحتل المرتبة الثانية في الاقتصاد العالمي وصاحب القوة النووية الضاربة.
 
الكلمات الدالة