إعلان

إيران-أميركا.. ونظريّة المؤامرة

المصدر: النهار العربي
د.خالد باطرفي
د.خالد باطرفي
تعبيرية
تعبيرية
A+ A-
لست من أصحاب نظرية المؤامرة .. ربما لأنني كنت واحداً منهم في مطلع حياتي، ثم تراجعت خطوات كلما زادت خبرتي ومعلوماتي. وربما لأني كأكاديمي أصبحت أكثر حرصاً على التوثيق العلمي، والنظريات تقوم على الحجج العقلية أكثر، وقد تكتفي بها. أو ربما لأن أصحابها يميلون كثيراً الى تفسير الحوادث في إطار المظلومية والمرويات والغيبيات، وبالتالي يغلب الشك وسوء الظن، الخوف والكراهية، على المنطق المتجرد والحجج المادية. 

وخلال دراستي في الولايات المتحدة، اكتشفت أن كثيراً من العرب حملوا معهم نظرياتهم. ووجدت نفسي في نقاش دائم معهم، أحاول تخفيف غلوّهم بمنطقي العلمي، ويحاولون إقناعي بفرضياتهم العقدية والفكرية والحسية. وعدت بعد التخرج، عام 1999، وعندي كثير من حسن الظن في الولايات المتحدة، والتفهم لبعض سياساتها، والتفكر في أسباب ما استنكره منها ودوافعه. 

عالميّة نظريّة المؤامرة
ثم انقلبت الأمور رأساً على عقب بعد هجمات 11 أيلول (سبتمبر) الإرهابية، ووجدتني في منتصف المسافة بين تعاطفي مع غضب الأميركي ومعارضتي لردود فعله. وبدأت أتحدث للنخب السياسية، والإعلام الغربي عموماً والأميركي خصوصاً، وأكتب أسبوعياً في صحيفة "عرب نيوز" رسائلي الموجهة اليه، في محاولة لتخفيف تطرفه، وإعادته الى المسار العقلاني في فهم الأسباب والمسببات، فأغضبت بعضهم، بمن فيهم قيادات في الإدارة والسفارة. 

كما ظهرت في وسائل الإعلام العربية، وكتبت في الصحف ووسائل التواصل موجهاً خطابي الى المتلقي العربي تفسيراً لمنطلقات الأميركي وتوضيحاً لردود فعله، وليس بالضرورة تبريراً لها، فأغضبت جماعات وأفراداً، وظن بعضهم في سلامة عقيدتي الظنون. 

أدركت حينها أن نظرية المؤامرة ليست خاصة بالمظلوم والمغلوب، إذ ينسجها الظالم والمتغلّب أيضاً، نتيجة الخوف والشك من سوابق تاريخية ولأسباب نفسية، أو بسبب الكراهية، نتيجة للتعصب الديني أو العرقي. وذلك لشح المعلومات أو فسادها، أو لانقطاع وسائل التواصل وتشويشها. 

إلا أن أخطر المسببات والنتائج استغلال أصحاب السلطة أو طلابها لسوء الفهم، وتأجيج الكراهية والخوف والشك، بهدف السيطرة على العقل الجمعي للأمة أو الجماعة وتوجيهه الى المسار الذي يضمن استمرار الصراع، وبالتالي تراص القطيع والطاعة العمياء للقائد القوي، الملهم، المنقذ. 

على أنني اليوم أواجه تساؤلات محرجة لقناعاتي العلمية، وتفسيري المنطقي للحوادث وبواعثها ونتائجها. وبدا لي أن بعض نظريات المؤامرة تحمل حجة قوية، مسنودة بتوافق الحوادث التاريخية والآنية، وتقاطع المصالح المادية والعقائدية، وتلاقي السياسات الحزبية والفكرية. 

المؤامرة الأميركية - الإيرانية
لنأخذ مثلاً العلاقة الأميركية الإيرانية من المنظور التآمري. ولنعد بالزمن الى الستينات من القرن الماضي، عندما قام رجل دين هندي من أسرة هندوسية، اسمه روح الله الخميني، (قبل أن تمنحه قم لقب آية الله)، بكتابة رسائل كشفت عنها في 2016 هيئة الإذاعة البريطانية، موجهة الى رئيسين أميركيين ديموقراطيين، هما جون كينيدي وكارتر، يناشدهما دعمه للوصول الى السلطة في إيران مع وعد بضمان مصالح بلادهما في إيران والمنطقة. 

وبالفعل، تحقق له المنشود بعد اجتماع سري بريطاني أميركي فرنسي، فأعطي حق اللجوء السياسي في باريس، ووفرت له منصة لمخاطبة الرأي العام العالمي، والتأليب على دولة الشاه، وتثوير الشعب الإيراني. ثم ضغطت أميركا على الشاه للرحيل، وعلى الجيش الإيراني لتأمين عودة الخميني، بطائرة فرنسية الى طهران، وبقية القصة معروفة. 

ومع أن الثورة الخمينية أكلت أبناءها، واحتلت السفارة الأميركية في طهران، وفجّرتها في بيروت، ودعمت الإرهاب، وهددت الملاحة البحرية في الخليج، اكتفت واشنطن "رسمياً" بالمقاطعة الاقتصادية، وباعت "سراً" أسلحة وقطع غيار - عبر إسرائيل - للجيش الإيراني خلال سنوات الحرب الثماني مع العراق، لضمان عدم سقوط النظام. 

واستمرت العلاقة ”الغريبة" - إن لم نقل "المشبوهة" - حتى بعد أن تكشف دور الحرس الثوري والاستخبارات الإيرانية في دعم وتمويل وتدريب عناصر "القاعدة" التي فجرت سفارتي أميركا في تنزانيا وكينيا عام 1998، وشاركت في هجمات نيويورك وواشنطن في 2011. فبدلاً من معاقبة إيران، ضربت أميركا أفغانستان واحتلت العراق، وتم تسليم البلدين، بعد تدميرهما وتقسيمهما، لإيران على طبق من ذهب. وسمح لها بعد ذلك باحتلال سوريا، والسيطرة على لبنان، والتدخل السافر في اليمن.  

ولم يقلق هذه العلاقة، إلاّ سعي طهران للحصول على السلاح النووي، ربما لأنه يهدد أمن إسرائيل، وربما لأن ذلك يتجاوز خطاً أحمرَ. ومع ذلك، كان رد الفعل يختلف تماماً عن التعامل مع طموحات العراق النووية. فبدلاً من تدمير المفاعلات النووية، كما تم مع بغداد (1981)، أو حصار وضرب ثم احتلال العراق، كما حصل في 2003، كوفئت طهران باتفاقية تضمن حقها في الحصول على السلاح النووي والصواريخ القادرة على حمل الرؤوس النووية، شرط تأجيل ذلك حتى نهاية الاتفاق عام 2025. وفي المقابل، يستعيد النظام مئة وخمسين مليار دولار من أرصدة دولة الشاه، تم تجميدها في البنوك الأميركية، وترفع عنه العقوبات الدولية، بما يسمح بعودة الاستثمار الغربي وتصدير كامل الإنتاج النفطي، ومواصلة البرنامج الصاروخي، وزيادة دعم الميليشيات في المنطقة، والتدخل في شؤون بلدانها. 

انقلاب ترامب  
خلال السنوات الأربع الماضية، جاء رئيس "مستقل سياسياً" من خارج الدولة العميقة والأحزاب ومؤسسات الحكم التقليدية، فقرر أن يكشف عورات الاتفاقيات السرية والعلنية مع أكثر الدول دعماً للإرهاب، ومواجهتها بسياسة "تجويع الوحش" حتى تتوقف طهران عن سياساتها العدوانية وتفاوض على اتفاق جديد، بلا تاريخ انتهاء، وبالتشاور مع حلفاء واشنطن في المنطقة، يشمل البرنامج الصاروخي وقضايا حقوق الإنسان والسياسات المزعزعة للسلام العالمي والمهددة للمصالح الأميركية. 

ثارت المؤسسات السياسية والتشريعية والإعلامية الديموقراطية، وسعت جاهدة لإطاحة الرئيس على مدى أربع سنوات، من خلال المحاكم القضائية، والسياسية، وفضاء الرأي العام. 
هوجم ترامب كما لم يهاجم رئيس من قبل في سياساته، وشخصيته، وحتى عقله. ليس حباً بأميركا، فقد كانت في عهده أقوى وأغنى، ولولا الجائحة لبلغت قمة لم تبلغها في تاريخها. ولكن حرصاً على مواصلة المضي في المسار الذي خططوا له لحكم العالم من خلال الهيمنة الفكرية والسياسية، مع تفويض دول عسكرية كإيران وتركيا، وجماعات متآمرة، كالـ"إخوان المسلمين"، وميليشيات مهددة كـ"داعش" وعصابات إيران. وفي تصورهم أن ذلك يحقق حماية المصالح الأميركية، وضمان مبيعات أسلحتها ومنتجاتها في منطقة تفتقد الأمان والمظلة الغربية. 

عودة الأوبامية
ويستشهد أصحاب نظرية المؤامرة الأميركية - الإيرانية بحوادث آنية كعودة إدارة بايدن بعناصرها الأوبامية الى مهادنة نظام الملالي، ورفع تصنيف الإرهاب عن الحوثي، والتغاضي عن استفزازات الحشد الشعبي في العراق، ومحاولة تقييد ردود فعل حلفائها للدفاع عن النفس، وابتزازهم بقضايا حقوقية مستهلكة، فيما يتم تجاهل القضايا الواضحة الفادحة في إيران استرضاءً لها. 

ويشيرون الى التصعيد الفوري والمكثف للهجمات الحوثية، وتنمّر "حزب الله"، وتهديدات الحرس الثوري للملاحة البحرية في الخليج العربي والبحر الأحمر، بالأصالة والوكالة، واستمرار الهجمات الصاروخية وبالطائرات المسيرة الحشدية على السعودية وكردستان. أما الهجمات الرمزية على القواعد والسفارة الأميركية فلم تتجاوز يوماً أسوارها، ولم تقتل حتى اليوم أميركياً واحداً. وفي المقابل، لم تكن الردود الأميركية، حتى عند تجاوز الخطوط الحمر، تزيد عن ضرب مواقع خارج إيران، تابعة لميليشيات عربية، بعد إخطار مسبق لروسيا والعراق. 

بصراحة، تبدو  نظرية المؤامرة الأميركية - الإيرانية مقنعة. وبرغم غياب الدليل المادي الذي لا يخالطه الشك، إلا أن الحجج المنطقية قوية، ومتواترة، ومتصلة على مدى نصف قرن. ثم ألا يسمح لنا بالاكتفاء بها، ما دامت إدارة بايدن والنخب الديموقراطية تكتفي بالأدلة الظنية في الحكم علينا؟ 

ومع ذلك، أرى التأني قبل إصدار الأحكام القطعية، مع المراقبة والمتابعة للسلوكيات الظاهرة والمستترة، فسوء الظن، بهذه الحالة، من حسن الفطن. وما لدينا من القرائن والشواهد التاريخية والراهنة يدعو للحذر والشك .. والبحث الحثيث عن البدائل، وهي، لحسن الحظ، عديدة. كما أنها أكثر صلابة واستمرارية وأماناً من سياسة تتغير وتتقلب كل أربع سنوات، وربما أقل. 

ولنتذكر أنه في السياسة وعلاقات الدول، لا صداقة دائمة ولا عداوة دائمة بل مصالح دائمة. وفي عالم الشراكات والتحالفات والمصالح، يصح قوله تعالى (ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها). ولعل لنا في الأمر خيرة، فالشرق أقرب وأصدق وأكثر اعتمادية.  
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم