إعلان

كلاب لقمان... وقوى الأمر الواقع

المصدر: النهار العربي
د.مكرم رباح
د.مكرم رباح
لقمان سليم وكلبه
لقمان سليم وكلبه
A+ A-
من يدخل دارة محسن سليم، النائب الراحل والحقوقي الألمع في حارة حريك، يشعر بعراقة هذا المنزل ودوره التأسيسي في تاريخ لبنان وتاريخ ساحل المتن الجنوبي. دارة تَمكّن لقمان سليم وعائلته الفكرية من توسيعها بعد انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية، لتصبح محج الباحثين عن الحقيقة والعدالة لضحايا حروبنا العبثية المتنكرة بكذبة حروب الآخرين على أرضنا.

ضاحية بيروت الجنوبية - كما هو متعارف عليها - هي منطقة اختطفها من أهلها الأصليين حراسُ الثورة المزعومون وقوى الأمر الواقع، الذين حاولوا لعقود مضت القضاء على التعددية الثقافية والسياسية في حارات وقرى صغيرة رفضت أن تصبح ضواحي طهران ودمشق.
 
قسم كبير من حياته صرفه لقمان، الى حدّ الهوس، في الدفاع عن حارته الكبيرة ونصرة المستضعفين، فتبنى ضمن مشاريعه العديدة موضوع الذاكرة الجماعية والإبقاء على الأرشيف المكروه من الطغاة والمجرمين، كونه دليلاً حسياً على جرائمهم ومجازرهم التي ارتُكبت تحت شعارات العروبة والمقاومة والصراع الوجودي، التي لم تكن يوماً موجودة سوى لخدمة مشاريعهم وحروبهم الصغيرة.
 
شجاعة لقمان وفكره المتنوّر دفعاه لتبني كل القضايا الجدلية، من بينها اللجوء بوجهيه الفلسطيني والسوري والدفاع عن الطرفين في مواجهة العنصريين وأقزام النازيين الجدد الذين يدّعون تحرير القدس وحماية المقامات المقدسة، فيما هم لا يكترثون لا للبشر ولا للحجر.

اليوم نحتفل بحياة لقمان في دارة والده في حارة حريك، حيث ستتحول الحديقة الجميلة المحيطة به إلى قبر يصلي قربه المؤمن والملحد معاً لروح الراحل أو لرماده كما كان يحلو له أن يتحوّل. منزل لقمان ليس مركز أبحاث وأرشيف وحركة ثقافية مشتعلة فقط، بل هو معقل للإنسانية والطيبة والكرم. لقمان حوّل دارة والده ملجأ لكلاب شاردة تخلى عنها أصحابها مع بدء الأزمة الاقتصادية لعدم تمكنهم من الاعتناء بها وإطعامها، فأمّن لعشرة كلاب منها مأوى وشاركها حديقته واهتمامه اللا متناهي.
 
كلاب هذا السيد النبيل هي صورة عن الشعب اللبناني الذي خدم أسياده لسنوات وقرون قبل أن يستيقظ يوماً ويجد نفسه وحيداً على قارعة الطريق من دون مأوى أو قوت، بل أسير طبقة سياسية فاسدة تحتمي بسلاح حراس الفساد والموت من العرب والعجم. مَن قتل لقمان ليس خمس طلقات استقرت في جسده المليء بعرق بلدي احتساه قبل ساعات في منزل صديقه، بل صمت الشعب اللبناني وسكوته على سنوات من القتل البطيء وسماحه في الوقت عينه للحركة الشعوبية والشعبوية باختطاف الحيّز العام وثقافات الشعب اللبناني وعزل لبنان عن بيئته العربية والغربية.

"هاتش" و"بوي" كلبا لقمان المفضلان لا يتكلمان لغة البشر المليئة بالكذب والتملق، بل لغتهما هي الوفاء والشرف وحماية الضيف والدار، وهي سمات لم يتسم بها حراس الهيكل لحماية لقمان من القتلة الذين ينتمون، بحسب زعمهم، للموساد الإسرائيلي أو أجهزة مخابرات غربية.

وهي سمات تعيد إلى ذاكرتي حادثة وقعت سنة 1925 في جبل الدروز. فلدى عودة سلطان باشا الأطرش إلى منزله في القريّة، اكتشف أن سلطات الانتداب الفرنسي اعتقلت الثائر العاملي أدهم خنجر الذي كان قد احتمى في منزله، فما كان من الباشا إلّا أن أمر النساء والأطفال بمغادرة المنزل قبل أن يُضرم فيه النار صارخاً "بيت لا يحمي الضيف لا حاجة لنا به" ويأخذ عشيرته وعسكره ويعلن الثورة السورية الكبرى.

فيا أسياد المقاومة المزعومة، ويا باشاوات النظام العنصري اللبناني، أنتم تتبعون شريعة الغاب وثقافتكم هي ثقافة القتل والعنصرية، أما نحن ولقمان وكلابه الأوفياء فبوصلتنا هي الإنسانية والمحبة.

دارة محسن سليم ليست منزل الست سلمى ورشا ومونيكا والعاملين في "دار الجديد" و"مركز أمم" فحسب، بل هي مقام مقدس للعقل والمحبة اللذين سيبقيان نبراسنا ومنارتنا، وستبقى القيم سلاحنا الوحيد في معركتنا في وجه القتلة والمجرمين لنصل إلى لبنان "هاتش" و"بوي"، كلبي لقمان سليم الشريفين اللذين لا يخافان الموت ولا كواتم الحقد.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم