إعلان

النّفق والمظلّة

المصدر: النهار العربي
غسان زقطان
غسان زقطان
الحفرة التي خرج منها الأسرى الستة
الحفرة التي خرج منها الأسرى الستة
A+ A-
بحسب القناة الإسرائيلية 12، ظهر زكريا الزبيدي في الشمال بعد ساعات من خروجه من النفق الذي حفره مع رفاقه الخمسة في سجن "جلبوع" القريب من بيسان، دخل متجراً وتحدث مع  صاحبه وطلب طعاماً وأجرى مكالمة هاتفية.
 
لعل هذه المعلومة كانت وراء اندفاع عشرات الجنود ورجال الشرطة والمخبرين لمداهمة قرى فلسطينية في وادي عارة داخل الخط الأخضر، وتفتيش مساجدها ومصادرة الكاميرات، والتحقيق مع أصحاب المحال وطرح الأسئلة على السكان عن "مجهولين أجروا مكالمات"، في عملية بحث ضخمة عن الأسرى الستة الذين تمكنوا من الخروج من أحدث السجون الإسرائيلية وأكثرها تحصيناً عبر نفق، يقال إنهم حفروه على مدى شهور طويلة بملعقة طعام.
 
المعلومة المنقولة عن صاحب المتجر قد تكون صحيحة، ولكنها واحدة من مئات الاتصالات المضللة التي تدفقت على الأجهزة الأمنية الإسرائيلية. جهاز "الشاباك" تلقى في اليوم الأول 250 مكالمة من مجهولين استخدموا شرائح إسرائيلية، سيلكوم وأورانج، يبلغون عن  ظهور الأسرى وأماكن وجودهم، وفي كل مرة كانت النتيجة "لا شيء".
 
يكاد يكون هذا الجزء من عملية الهروب بأهمية حفر النفق نفسه أو الأفق الذي تحولت له العملية في مشهدها الثاني، مظلة واسعة من الحماية الشعبية تشكلت حول الأسرى الستة، تبدأ من إغراق الشاباك بالمعلومات المضللة، وتتواصل عبر تغيير زوايا الكاميرات في المحال والشوارع، وتتواصل من خلال تظاهرات ومسيرات في الضفة وغزة وانتفاضة حقيقية للأسرى في السجون الغسرائيلية، وهي كلها تشكل عناصر مرحلة قادمة تتهيأ منذ وقت بحاجة الى شرارة.

الفشل الأمني المركّب للمؤسسة الأمنية الإسرائيلية كان يمكن ملاحظته عبر التخبط في سرد الحادثة وأسبابها، والثغرات الواسعة في الرواية الرسمية، إذ كان كل شيء ينتهي عند صورة رجل الأمن الإسرائيلي المشدوه وهو يحدّق في فوهة النفق تحت أشعة مبكرة لشمس الصباح، ما دفع أحد المعلقين الى التساؤل: "أين تذهب الموازنات الهائلة للسجون في إسرائيل بمئات ملايين الدولارات، والتي تضم إمبراطورية قمع من 23 سجناً ومركزاً للتوقيف تنتشر من النقب حتى بيسان؟".
 
 الأسئلة المطروحة في الصحافة الإسرائيلية تتحدث عن إخفاق أمني مركّب يتجاوز "الأميرة النائمة" في برج الحراسة، وغفلة مراقبي الكاميرات، وأجهزة رصد الارتجاج و"أين ذهبوا بالتراب"، وتصميمات السجن الهندسية المنشورة على شبكة "الإنترنت"... وتصل، بحسب المعلق يهوشواع برينر في "هآرتس"، الى كارثة وجود ستة أسرى من جنين في أقرب سجن من بلدتهم، في قسم 2 المخصص لسجناء "فتح"، في أقرب زنزانة على الجدار الخارجي، ثلاثة منهم مصنفون مع خطر محاولة الفرار، يقترح برينر بعد سرد جدول الإخفاقات الطويل سجن "كتسيعوت" الصحراوي في النقب لأسرى جنين.
 
عملياً، بعد انقضاء الـ72 ساعة الحاسمة، ستتراجع إمكانات المطاردة الميدانية على الأرض ومراقبة الطرق وصيد الحواجز وتتبع الآثار، تراجع عدد الحواجز من 200 الى 80، ولكن أعداد الجنود الذين دُفع بهم الى الحملة تضاعف، وستتراجع التوقعات من الاستنفار الأمني على حدود الأردن والخط الأخضر وغزة والجولان، سينتقل التركيز الآن الى المعلومات الاستخبارية والعملاء، ولكن نجاح عملية الهروب سيواصل حضوره كعمل إبداعي مدهش، وسيتذكر الناس نزلاء الزنزانة 5 من القسم 2 في سجن "جلبوع" كمحرَرين ومحرِرين.
 
وضعت عملية نفق سجن جلبوع الجميع أمام استحقاقاتهم، فاقمت أزمة سلطات الاحتلال والجيش الذي لم يخرج بعد من آثار عملية قتل القناص الإسرائيلي على الهواء من مسافة صفر في غزة، والأسئلة المثارة حول ثغرات الأداء المتلاحقة للجيش، وحوّلت الأجهزة الأمنية الاحتلالية ومصلحة السجون الإسرائيلية الى فضيحة. ووضعت السلطة الفلسطينية خارج الحدث من جديد، إذ تبدو مثل الرجل الذي وصل متأخراً الى الحفل بعدما توزعت المقاعد وحصل الجميع على مقاعدهم.
 
تضع العملية السلطة  أمام اختبار صعب، يفكك فهمها للتنسيق الأمني وحدود تطبيقه، والى أي مدى يمكن أن تذهب في موضوع بهذه الحساسية والوضوح، وأمام الالتفاف الشعبي الذي أحيط به الأسرى الستة والمراقبة الصارمة للشارع المهيأ للانفجار، بينما لم تزل أوراق الاجتماع مع غانتس وأفكار "بناء الثقة" مع حكومة بينيت على الطاولة.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم