إعلان

مصر: معضلة الدعم ورغيف الخبز

المصدر: النهار العربي
محمد صلاح
محمد صلاح
زيادة متوقعة على سعر الرغيف
زيادة متوقعة على سعر الرغيف
A+ A-
تبدو مسألة تسعير رغيف الخبز المدعوم في مصر معضلة عجزت عن حلّها حكومات عدة تعاقبت على الحكم، وكلما تجددت او فتح المجال لعلاجها، كما حدث الأسبوع الماضي، فسح المجال واسعاً لـ"الإخوان المسلمين" لتصفية الحسابات، خصوصاً أن الجماعة تمتلك جهازاً إعلامياً ضخماً يتلقى دعماً من دول وحكومات وجهات إقليمية، لتصفي حساباتها مع الحكم وتحرض الناس عليه. ولا يمكن الفصل بين تلك المشكلة وتعرض الدولة المصرية، على مدى عقود، للنهب و"التهليب" من طبقة الفاسدين التي تحولت طبقات إضافة الى أسباب أخرى انتجت اضطرابات وتظاهرات في الشوارع والميادين عطلت الحياة لأكثر من سنتين تحت لافتة الربيع العربي، ثم حكم البلاد "الإخوان" الذين أداروا ظهورهم لمؤسسات الدولة وركزوا على "أخونتها"، وبالتالي ظلت قضية الخبز قائمة لا تتحرك من مكانها، ولجأت الحكومات المتعاقبة إلى المسكنات، وكلما سدت ثقباً في جانب تفاجأت بثقوب أخرى تضرب من الجانب الآخر.
 
نعم كانت المشكلة مع تدني الأجور والمعضلات الاقتصادية الأخرى كارتفاع معدلات البطالة وندرة فرص العمل وازدياد معدلات الفساد، من بين أسباب ما جرى في 25 كانون الثاني (يناير) 2011، خصوصاً أن "الإخوان" كانوا تدربوا على استغلال مشكلات كتلك في تأجيج مشاعر الناس وتحريكهم، من دون النظر بالطبع إلى نتائج التظاهرات وتأثيرها في أحوال البلد، خصوصاً الاقتصاد، كما أن التنظيم أدار على مدى عقود جزءاً كبيراً من "البيزنس" في البلد، وغالبية رموزه وقادته وأعضاء مكتب إرشاده كانوا من أصحاب المال والأعمال والمشاريع الكبيرة والمحال التجارية العملاقة والمستشفيات والمدارس، لكنهم برعوا في تصدير فكرة العوز والحاجة والمتاجرة بالفقر بين الناس، سواء من طريق عمليات شراء الأصوات في الانتخابات أم شراء الرضا في الأزمات.
 
بفعل حملات "الإخوان" ساد الانطباع خارج مصر أن الأسعار صارت خرافية وتفوق الخيال، وأن الدعم الذي تقدمه الدولة للسلع الأساسية لا يفي بالغرض، وأن الناس تتألم والشعب يعاني، وأن تنظيم "الإخوان" هو الحل!! على أرض الواقع سارت الحياة في مصر بعد الثورة على حكم "الإخوان" بشكل طبيعي، نعم الناس يشكون الغلاء، لكن اختفت مشاهد استمرت لعقود كان الناس فيها يتقاتلون أمام المخابز للفوز برغيف، أو يتصارعون أمام مخازن أسطوانات الغاز لنيل أسطوانة، بل إن بعض السلع في مصر تباع وكأنها مجانية!! فرغيف الخبز المدعوم سعره بـ5 قروش، في حين أن رغيف الخبز المماثل في السوق الحرة يُباع بنصف جنيه وفي بعض الأحياء يصل السعر الى جنيه. وللتوضيح فإن الجنيه المصري يساوي مئة قرش وبما أن سعر الدولار الأميركي ستة عشر جنيهاً فإن الرغيف المصري يكاد يكون مجانياً، أو أنك تستطع بمئة دولار أن تشتري خبزاً من مصر توزعه على شعب في دولة أخرى صغيرة!! ويتجاوز دعم الخبز في مصر حاجز الـ 60 مليار جنيه، مقارنة بـ 18 ملياراً العام 2010، وتنتج مصر نحو 360 مليون رغيف خبز مدعم يومياً بزيادة بلغت نحو 50 مليون رغيف على معدلات الإنتاج في 2016.
 
تلك الزيادة غير الطبيعية دفعت وزارة التموين للبحث دائماً عن أسبابها، خصوصاً بعد أن ارتفعت كلفة إنتاج رغيف الخبز المدعوم إلى نحو 60 قرشاً بدلاً من 31 قرشاً بعد تحرير سعر الصرف، ويستفيد نحو 71 مليون مواطن مدرجين ضمن أكثر من 21 مليون بطاقة تموينية بمنظومة الخبز والسلع الأساسية المدعومة ضمن نظام تكاد مصر تكون الدولة الوحيدة في العالم تطبقه. ويتم صرف 5 أرغفة يومياً لكل مواطن عبر كارت ذكي (ممغنط) بالسعر المدعوم. وبمجرد أن عبر الرئيس عبدالفتاح السيسي قبل أيام عن عزمه تحريك سعر الرغيف المدعوم بعدما أشار الى أن سعر خمسة ارغفة صار يساوي سعر سيجارة واحدة انفجر أنبوب الاعتراضات والتحليلات والتوقعات، ورغم أن الرئيس المصري لم يحدد حجم الزيادة المتوقعة او يعرض خطة معالجة ذلك الوضع الغريب، لكن كالعادة انتهز "الإخوان" الفرصة لصب مزيد من الزيت على نار معاناة الفقراء والبسطاء، رغم أن قطاعاً واسعاً من المصريين يرى أن منظومة الدعم كلها تحتاج الى إعادة صياغة ولا بد من تطويرها ليصل الدعم الى مستحقيه من دون أن ينتفع به تجار الأزمات وغير المستحقين.
 
بالفعل الحياة ليست وردية في مصر، لكن الحديث عن مأساة يعيشها المصريون أو ثورة جياع قادمة مجرد فبركات يروجها "الإخوان" والنشطاء والثورجية والنخبة الانتهازية لأغراض سياسية. هناك معضلة تاريخية تتعلق بتوزيع الدعم وهناك غلاء لكنه مبرر وله أسبابه ويحتاج إلى وقت لعلاجه وخطط طموحة غير تقليدية لوضع حد لارتباك ساد لعقود كان سببه الأول الخشية من رد فعل شعبي يهز مقاعد الحكام ومواقع لمسؤولين. الحياة في مصر ميسرة لملايين من "المرتاحين" وصعبة بالنسبة الى ملايين أكثر من البسطاء ومتوسطي الحال والفقراء لكنها تسير، وهذا ما يزعج من لا يريدون حياة لمصر وللمصريين.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم