إعلان

نقاشات "الصحوة" و"السرورية" في السعودية

المصدر: النهار العربي
حسن المصطفى
محمد سرور الذي تنسب السرورية اليه
محمد سرور الذي تنسب السرورية اليه
A+ A-
تمر المملكة العربية السعودية بمرحلة انتقالية في غاية الأهمية، ليس على مستوى التحول الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل وتحسين مستوى "جودة الحياة" وحسب، بل أيضاً على مستوى تجديد الخطاب الديني السائد، والخروج به من ضيق الأحادية الى سعة التنوع والتعدد الذي هو واقع معيش سعى التيار "المتشدد" الى قمعه وتغييبه طيلة عقود خلت.

ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، تحدث في أكثر من مناسبة عن خطورة "التطرف"، وكيف أن رؤيته تروم أن يكون هناك "إسلام" معتدل يحترم الآخر، منسجم مع الحداثة، ومنخرط في البناء والتنمية.

هذا الهدف الذي يسعى اليه الأمير محمد بن سلمان ليس مستحيلاً، رغم وعورة الطريق، وثقل المهمة. وهو الذي قال في "منتدى مبادرة المستقبل" في العاصمة الرياض، عام 2017، إن "السعودية لم تكن كذلك قبل عام 1979.. السعودية والمنطقة كلها انتشر فيها مشروع الصحوة بعد عام 79 لأسباب كثيرة"، مضيفاً: "نحن فقط نعود إلى ما كنا عليه.. الإسلام الوسطي المعتدل المنفتح على العالم، وعلى جميع الأديان، وعلى جميع التقاليد والشعوب".

العودة إلى رحمانية الإسلام وتواصليته، والقطيعة مع خطابات العنف والتكفير، جعلت ولي العهد في المناسبة ذاتها يؤكد بصراحة بالغة أنه "لن نضيع 30 سنة أخرى من حياتنا في التعامل مع أفكار متطرفة.. سوف ندمرهم اليوم وفوراً".
"التدمير" الذي أشار له الأمير محمد بن سلمان، لن يقتصر على العمل "الأمني" وحسب، رغم الأهمية البالغة للجهود التي يبذلها جهاز "أمن الدولة"، برئاسة الأستاذ عبد العزيز الهويريني، والذي هو الآخر مدرك تماماً أن عمليات التوقيف والمداهمة للمجاميع "الإرهابية" و"المتطرفة" هي الخطوة الأخيرة التي يتم اللجوء لها عندما يكون الخطر الأمني كبيراً. من هنا سعى الجهاز الى انتهاج أساليب ذات طابع مدني وفكري واجتماعي – نفسي، واستعان بكفاءات علمية متخصصة، بهدف التوعية ودرء حدوث المشكلات، ولذا أسس على سبيل المثال إدارة "مكافحة التطرف"، وابتكر برامج ذات طابع نقاشي – إرشادي، منها "برنامج بناء"، لأن تغيير السلوك يتم عبر الإقناع والاختيار الحر وتوفير بيئة صحية تجعل الإنسان واعياً بالطريق الذي يسلكها في حياته، يختاره بذاته، لا خوفاً ولا رغباً.

أحد الأمور المهمة لتفكيك منظومة الخطابات المتطرفة، هو عمليات المكاشفة والمصارحة والمراجعة، التي تعمل على جمع وتصنيف التراث "الصحوي" في السعودية، ووضعه على طاولة البحث والنقاش، بحرية وعلمية وصراحة أدبية، من دون الخوف من ضغط الشارع العام، أو وضع مقدسات افتراضية وحدود موهومة، لأن الشرط الأساس لنجاح أي دراسة رصينة هو حياديتها وعدم وقوعها في فخ الانتقائية أو التبجيل أو الانحيازات المسبقة.

تيار "الصحوة" كان مهيمناً على مفاصل عدة في الشارع السعودي، وهو تسرب إلى مؤسسات حكومية وأهلية، فضلاً عن المعاهد والجامعات، كما أشار الباحث السعودي فهد الشقيران في حواره ضمن برنامج "الموقف" مع الصحافي طارق الحميد، على شاشة "القناة السعودية".

الشقيران تحدث بصراحة عن أن "الصحوة" لم تكن يقتصر نفوذها على الجامعات ذات الطابع الديني وحسب، بل امتدت إلى جامعات مدنية مثل "جامعة الملك فهد للبترول والمعادن" في مدينة الظهران شرق السعودية. كما أن هذا الفكر تبناه أساتذة جامعيون، محملاً مسؤولية انتشاره لـ"الجميع"!

في البرنامج ذاته، شارك أيضاً في حلقة أخرى الكاتب السعودي مشاري الذايدي، الذي تحدث هو الآخر صراحة عن "السرورية"، وتأثيرها في سلوكيات المجتمع السعودي، مطالباً بأن تكون هنالك مراكز بحث تعنى بإجراء دراسات "إنثروبولوجية" و"سيسيولوجية" بهدف معرفة الأثر العميق لخطاب هذه الجماعات المتشددة في العقول، وكيف أنها غيرت كثيراً في طرائق الحديث والملبس والعلاقات الاجتماعية والنظرة إلى الآخر والعلاقة مع المختلف.
 
هذه النقاشات الحيوية التي شارك فيها الشقيران والذايدي في غاية الأهمية، ويجب أن تستمر، من دون أن تمارس على النقاد عمليات ترهيب أو اغتيال معنوي أو حملات شتائم في وسائل التواصل الاجتماعي، لأن حرية التعبير والنقد أمرٌ تكفله الشرائع الدولية لمختلف البشر، وليس لأحد الحق في الحجر على الرأي. 

الحجةُ يجب أن تجابه بالحجة، والدليل بالدليل؛ والمعترضون على "نقاد الصحوة" يمكنهم التعبير عن آرائهم بعلمية إذا كانت لديهم قدرة على ذلك. أما أن يريد هؤلاء النفر أن تصمت الأصوات المختلفة معهم بحجة أن نقد "الصحوة" هو نقد لـ"الدين" أو فيه استفزاز وعدم احترام لمشاعر المتدينين، فتلك ادعاءات واهية وغير ناهضة علمياً، وأحد حيل أنصار "الإسلام السياسي" لكسب تعاطف الجمهور العام.

إن نقد فكر "الصحوة" يعني تفكيك جذور التطرف، ومعرفة تاريخ العنف، وتتبع مقولات التكفير، وبالتالي الذهاب إلى الجذر الذي قاد إلى عمليات التفجير والاغتيال التي طالت مدنيين وعسكريين في السعودية، وهي عمليات إرهابية حصدت أرواحاً بريئة وهددت السلم الأهلي وأثارت الفتن الطائفية.

"الجماعات الأصولية لا تتبخر وتنتهي فجأة كما يظن البعض"، كما كتب الباحث عبد الله بجاد العتيبي في "الشرق الأوسط"، لأن هذه التيارات مبنية على "الأفكار" و"المعتقدات"، ولذا فإن أي جهد يريد حصار "الإرهاب" لا بد من أن يبدأ بتفكيك منظومته الدوغمائية التي ابتنى عليها.
الأمير محمد بن سلمان، وفي حديث مع "التايم" الأميركية، عام 2018، وصف أتباع السرورية بالأكثر تطرفاً في الشرق الأوسط، قائلاً إنهم أعلى درجة من جماعة "الإخوان المسلمين"، بحسب ما ترجمته حينها "العربية.نت"، مؤكداً أن "السروريين مجرمون بموجب قوانيننا، وستتم محاكمتهم متى توافرت الأدلة الكافية ضدهم".

إذاً، هنالك موقف واضح لا لبس فيه من القيادة السياسية في المملكة العربية السعودية، وضع فيه ولي العهد الأمور ضمن سياقها الطبيعي والتاريخي، والمهمة الآن مناطة بالباحثين والكتّاب المختصين ليعملوا ضمن مراكز الأبحاث والدراسات، وأيضاً القنوات والوسائل الإعلامية، على نقاش أطروحات هذه الجماعات "المتطرفة" وكيف أنها أثرت سلباً، ليس في الحاضنة الشعبية المؤيدة لها، بل في كل المجتمع السعودي بمختلف طوائفه ومذاهبه، وجعلته رهين خطابها الأقلوي، واستغلت نفوذها في عدد من المؤسسات الحكومية والأهلية من أجل تثبيب العناصر المؤمنة بسياساتها وإبعاد المختلفين معها. ولذا، فإن علاج هذا الخلل الفكري والديني والبنيوي الذي أحدثه "السروريون" يحتاج عملاً متواصلاً، وجهداً شجاعاً، على الجميع النهوض به، حكومة، ومؤسسات، ومجتمعاً مدنياً، ومواطنين.. لأن السفينة لا تصل إلى بر الأمان إلا إذا تعاضد جميع ركابها.

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم