إعلان

تحالفات سياسيّة "مفاجئة" تحت الطّاولة العراقيّة

المصدر: النهار العربي
فاروق يوسف
بارزاني
بارزاني
A+ A-
تتوقع الأحزاب الكبيرة المهيمنة على السلطة في العراق أن يؤدي انخفاض شعبيتها إلى تراجع حظوظ مرشحيها في الانتخابات المقبلة، لذلك تسعى إلى الخروج من مرحلة تحالفاتها التقليدية إلى مرحلة تكون فيها أكثر مرونة، بما يؤهلها لإقامة تحالفات غير متوقعة، تكسر من خلالها إطار العزلة الطائفية لتعيد التموضع ضمن حسابات أكثر سعة، تتخذ من البعد الوطني واجهة لها برغم أن ذلك البعد يظل في كل أحواله مجازياً، ولا يمكن التحقق منه على مستوى التداول الواقعي.
 
وإذا ما أخذنا تلويح مقتدى الصدر بالتحالف مع مسعود البارزاني مثلاً على ذلك التحول، فإن ذلك التحالف لا يُعد خروجاً عن المناورات السياسية الشيعية التقليدية. غير أن الجديد في الأمر أن ينفرد مقتدى الصدر بالتحالف مع فريق سياسي صارت الأحزاب الشيعية تنظر إليه بريبة، كونه يمارس الابتزاز بكل مستوياته، وقد سبق لها أن دخلت معه في صراع مرير عام 2017 أدى إلى حدوث قطيعة مع شعور ذلك الفريق بأن الطرف الشيعي يبيّت له مكائد قد تقود إلى أن يفقد الجزء الأعظم من امتيازاته الاقتصادية. ذلك الفريق هو الحزب الديموقراطي الكردستاني الحاكم في إقليم كردستان، وهو إقليم شبه مستقل، شمال العراق. 
 
وإذا ما عدنا إلى تاريخ العلاقة بين الحزب الكردي والأحزاب الشيعية، فإن تلك العلاقة كانت متينة ولم تتعرض للاهتزاز إلا حين تم إجراء الاستفتاء على انفصال الإقليم عن العراق، وهو ما اعتبره الشيعة نوعاً من الخيانة لكل ما تم الاتفاق عليه بين الطرفين قبل الاحتلال الأميركي وبعده، وكان تواطؤ الحزب الكردي مع سياسات الأحزاب الشيعية هو أساس الامتيازات التي حصل عليها، في تناقض واضح مع الدستور، وخاصة على مستوى التصرف الأحادي بثروة الإقليم النفطية، إضافة إلى السيطرة على المعابر الحدودية وما تدرّه من وارادات مالية كان يجب أن تذهب إلى الخزينة الاتحادية.
 
وبرغم أن نتائج الاستفتاء أُسقطت بالاستعانة بموقف أميركي مناهض لها، فإن الثقة بين الطرفين لم تعد قائمة. وما الضغوط التي تمارسها حكومة بغداد بين حين وآخر ويعلن الأكراد عن تململهم إزاءها إلا تجسيد لعمق الخلافات بين الطرفين. لذلك يمكن اعتبار التوجه الصدري لإقامة تحالف مع الحزب الديموقراطي الكردستاني واستثناء حزب الاتحاد الوطني (الكردي)، وهو الذي يحوز منصب رئاسة الجمهورية خروجاً على الإجماع الحزبي الشيعي، هو محاولة للالتفاف على التحالفات الطائفية التي من المتوقع أن تعقدها الأحزاب الشيعية من خلال التصدي لها بواجهة انتخابية ذات بعد وطني، وهو ما يمكن أن يحقق ولو صورياً جزءاً من مطالب المحتجين على استمرار النظام الطائفي بكل ما ينطوي عليه من فساد. 
 
وكما هو واضح، فإن لعبة التيار الصدري الجديدة لا تخرج عن نطاق المناورات التي اعتاد ذلك التيار القيام بها قبل الانتخابات. ففي الانتخابات السابقة، جذب مقتدى الصدر تيارات مدنية، في مقدمتها الحزب الشيوعي العراقي إليه، ليكون مرشحوها جزءاً من قوائمه. أما هذه المرة فإنه يمهد لإقامة حلف يتجاوز من خلاله محظورات الإجماع الشيعي الذي يشكل أساساً لإقامة حكومة في مرحلة ما بعد الانتخابات. لن يكون ذلك الحلف مفاجأة انتخابية فقط، بل إنه أيضاً سيُعطل جزءاً من قدرة الأحزاب التقليدية على السيطرة على الثروات المتاحة، وتوزيعها في ما بينها، بحسب ما صار متعارفاً عليه بعد أكثر من خمس عشرة سنة من السيطرة المباشرة على السلطة.     
 
على مستوى غير مباشر، فإن تحالفات من النوع الذي يزيح الحكم عن مركزيته بطريقة صورية، إنما تعبر عن المخطط العام لسياسة التيار الصدري التي تلتقي بسياسة الحزب الديموقراطي الكردستاني في نقطة تبدو غائمة، غير أنها محكمة من جهة تجلياتها العملية. فالطرفان تمكّنا عبر السنوات الماضية من لعب دوري الموالاة والمعارضة في علاقاتهما بحكومة بغداد. وهي علاقة ظلت رجراجة ولا يمكن الإمساك بما هو ثابت وما هو متغير من عناصرها. فهما غالباً ما يظهران عزوفهما عن المضي وراء الأكثرية النيابية في قراراتها، بل إن نوابهما يلجأون حين التصويت إلى عدم الحضور أو الانسحاب. غير أنهما في الوقت نفسه يبقيان على وزارات بعينها تحت مظلتيهما، مستفيدين مما تدره عليهما تلك الوزارات من أموال يتم استثمارها من قبلهما لأغراض حزبية وشخصية. 
 
من الواضح أن العلاقة بين الطرفين هي علاقة مرحلية ذات أبعاد نفعية. فالصدر لم يتخل عن رغبته المبيتة في إلحاق هزيمة ليست نهائية بأعدائه من أركان البيت الشيعي الذين لا يجدونه مؤهلاً للعمل السياسي، برغم أن شعبيته كانت ولا تزال تقض مضاجعهم. أما مسعود البرزاني الذي يقود الحزب الديموقراطي الكردستاني فإنه، إضافة إلى سعيه إلى الحفاظ على مكتسباته، يسعى إلى الثأر من الأحزاب الشيعية التي هي من وجهة نظره تبيّت للأكراد العداء وتخطط لحرمانهم من الاستثناءات التي ينعمون بسببها بالكثير من الامتيازات التي تقع خارج الدستور. 
 
غير أن ما يقع خارج ذلك التحالف النفعي هو ما يهم الصدر شخصياً. فبعدما ساءت علاقته بحركة الاحتجاجات حين هدد المتظاهرين بقمعهم، يسعى الآن الى استمالتهم إليه من خلال تحالفه مع مكوّن سياسي بعيد عن الشبهة الطائفية. وإذا كان الوقت لم يسعفه في اختراع ذلك المكوّن، فإنه اتجه إلى الأكراد باعتبارهم مكوناً جاهزاً. 
 
ولكن المسافة بين الطرفين تبقى قائمة، لا على مستوى تضارب المصالح وحسب، بل أيضاً على مستوى الموقف السياسي من مفهوم الدولة، إذ لا يمكن للتيار الصدري أن يتخلى عن نزعته الدينية، وهي نزعة مستبعدة في السياسات التي يتبعها الحزب الكردي. لذلك يمكن اعتبار ذلك التحالف الموقت نوعاً من سرقة حيز انتخابي من الأحزاب التقليدية، وهو الحيز الذي تسعى حركات الاحتجاج الى الاستيلاء عليه.
 
الكلمات الدالة