إعلان

كيف اخترق الأمن المصري الجماعات الأصوليّة؟

المصدر: النهار العربي
عمرو فاروق
قيادات أخوانية في السجن
قيادات أخوانية في السجن
A+ A-
منذ ظهور تيارات الإسلام السياسي الحركي، وعلى رأسها جماعة "الإخوان المسلمين"، يعمل الأمن المصري على وقف تغلغل منهجيتها الفكرية بين أروقة مؤسسات الدولة الوطنية وحمايتها من التفكك والانصياغ للمشروع القطبي البناوي، في ظل مخطط تمكيني يسعى الى السيطرة على المنطقة العربية تمهيداً لتمزيقها. 
 
تعرية الكيانات الأصولية السرية، يستلزم دائماً الوصول إلى "المعلومة" التي تحويها بين جدران عمقها التنظيمي، ومن ثم كان مقصد الأمن المصري منذ ثلاثينات القرن الماضي، الاستحواذ على "التفاصيل الكامنة"، لا سيما أن المعركة بين الأجهزة الأمنية والجماعات المتطرفة، أخذت حيزاً كبيراً من التاريخ المعاصر، نتيجة كثافة العمليات المسلحة التي استهدفت إرباك المشهد السياسي والاجتماعي. 
 
في أربعينات القرن الماضي، أسس حسن البنا، جهاز "مخابرات الإخوان"، وأسند مسؤوليته إلى محمود عساف، لوقف تمدد الاختراق الأمني للهيكل التنظيمي، بتوجيه من اللواء سليم زكي، أول رئيس لجهاز أمن الدولة المصري (الأمن الوطني حالياً)، الذي اغتيل على يد جماعة الإخوان في 4 كانون الأول (ديسمبر) 1948، نظراً الى قدرته وعقليته النافذة، ومعرفته بماهية التنظيمات السرية.
 
في نهاية مرحلة الثمانينات من القرن الماضي، تكبّد الأمن المصري على يد الجماعات الأصولية خسائر فادحة، نتيجة آلية المفاجأة، وقلة المعلومات المتعلقة بنشاط تلك الخلايا المسلحة، والبؤر التي يتمركزون فيها ويتحركون في إطارها، ومخطط عملياتهم ضد قوات الشرطة باعتبارها الأداة التنفيدية لـ"الطائفة الممتنعة" المتمثلة في النظام السياسي.
 
أدرك الأمن المصري ضرورة اختراق دوائر صنع القرار في الهياكل التنظيمية للخلايا العنقودية والهرمية، لبيان حالتها الداخلية، والتعامل معها وفقاً لاستراتيجية "الضربات الاستباقية"، أو "التحرك المبكر"، والانتقال من خانة رد الفعل إلى ساحة السيطرة الكاملة.
طرف الخيط لتفكيك الخلايا المسلحة، دائماً ما يبدأ من نقطة "الاختراق" كأحد أساليب كشف غموض المكوّن التنظيمي، ومعرفة مصادر تمويله، وأهدافه الفكرية والتنظيمية، وخريطة انتشاره في الأوساط المجتمعية، وتحديد القيادات المؤثرة، وأنماط تفكيرها وسماتها النفسية، ونقاط ضعفها وقوتها، فضلاً عن رصد العناصر الجديدة.
 
اعتمد الأمن المصري في الحصول على المعلومات عبر طرق عدة، منها المداهمات تحقيقاً لاستراتيجية "المباغتة"، وجمع أكبر قدر من الوثائق والأوراق التنظيمية، أو زرع عناصر أمنية في عمق التنظيم، أو التجنيد المباشر للقيادات الفاعلة، أو توظيف بعض العناصر الأصولية، تحت مصطلح التعاون والتفاهم، أو المصالح المشتركة، إذ نجحت الأجهزة الأمنية في تدريب عدد من رجالها، وصبغهم سلوكياً وفكرياً بتوجهات التنظيمات المتشددة، لدرجة وضعت أحد ضباط جهاز أمن الدولة، في منصب النائب الأول لزعيم أحد التنظيمات التكفيرية المسلحة في القاهرة.
 
حالات اختراق الأمن المصري للمكوّنات الراديكالية المسلحة متعددة، لا سيما خلال مرحلة التسعينات، إذ تم تجنيد مسؤول الدعوة في "الجماعة الإسلامية" والذي أمدّ الأجهزة الأمنية بتفاصيل كاملة عن أماكن التأهيل الفكري والتدريب العسكري، وأهم محطات الدعم اللوجستي، والهيكل التنظيمي وقياداته.
 
وتم تجنيد نجل مفتي تنظيم "الجهاد"، محمد شرف، الذي كلفه الأمن المصري  مراقبة قيادات تنظيم "القاعدة" في السودان، في محاولة لاستهداف اجتماع كان من المفترض أن يحضره زعيم التنظيم وقتها، أسامة بن لادن، ونائبه أيمن الظواهري.
إلا أن المخابرات السودانيَّة (حينها) دخلت على الخط، وأبلغت قيادات "القاعدة" بالعمليَّة، وتم إجهاضها، وألقت القبض على نجل محمد شرف، وسلّمته الى أسامة بن لادن، وتولى أيمن الظواهري، ومرجان سالم الشهير بـ"عبد الحكيم حسان"، قرار تنفيذ حكم الإعدام فيه بتهمة الخيانة.
 
في نهاية تسعينات القرن الماضي، استطاع مسؤول متابعة ملف المتطرفين الهاربين في الخارج في جهاز أمن الدولة (المعروف بالضابط الأحمر أو الأسطورة)، تجنيد أحد أفراد تنظيم "الجهاد" في القاهرة، وكان مسؤولاً عن عملية ترتيب الاتصالات بقيادات تنظيم "القاعدة"، في أفغانستان والسودان والولايات المتحدة الأميركية، ومن خلاله تم تحديد خريطة تجنيد المصريين والعرب في الدول الأوروبية.
 
فعن طريقه تم استدراج القيادي في تنظيم "القاعدة"، خالد أبو الدهب، والقبض عليه فور وصوله الى القاهرة، قادماً من الولايات المتحدة، في 29 تشرين الأول (أكتوبر) 1998، إذ عثر في حوزته على أرقام هواتف، وقائمة طويلة لقيادات تكفيرية مقيمة في أوروبا وأميركا، وعلى رأسهم الضابط المفصول من الجيش المصري، علي أبو السعود  المكنى بـ"أبو عمر".
 
كان خالد أبو الدهب يقوم بتأمين الاتصالات بين قيادات "القاعدة"، وخلايا التنظيم في مصر والسودان والسعودية والولايات المتحدة، استغلالاً لخدمة "المكالمات المركبة"، المتاحة في نظام الهواتف بالخارج، وتغلباً على الضوابط الصارمة التي وضعتها مصر على الاتصالات مع الدول التي يرجح بها وجود مرتكزات للتنظيمات التكفيرية.
 
الكثير من التقارير الأمنية التي سُرّبت عن اقتحام مقار جهاز أمن الدولة في آذار (مارس) 2011، تحدثت عن توظيف قيادات فاعلة في كيانات الإسلام الحركي، أمثال صفوت حجازي وعاصم عبد الماجد وعصام سلطان ومنتصر الزيات، وقيامهم بدور محوري في نقل المعلومات التي ساهمت في تعرية الداخل التنظيمي لتلك الجماعات الأصولية.
 
كانت جماعة الإخوان تدرك أنها مخترقة تماماً من أجهزة الأمن المصري، لا سيما أن معظم الضربات التي لاقتها، كان للعنصر السري فيها دور فاعل، بخاصة القضية الرقم 1995/8 جنايات عسكرية، المعروفة بـ"مجلس شورى التنظيم"، في كانون الثاني (يناير) 1995، وكذلك القضية الرقم 99/18 جنايات عسكرية، المعروفة بـقضية "النقابات المهنية"، في كانون الأول (ديسمبر) 1999.
 
اتجهت الأنظار في تينك القضيتين الى قيادي تربطه صلات قرابة بقيادات أمنية، الى جانب أنه كان ضابط شرطة سابقاً، ويعتبر الغائب الوحيد عن الاجتماعات التي تمت فيها وقائع المداهمات الأمنية، ولم يُقبض عليه نهائياً حتى عقب سقوط حكم الإخوان في حزيران (يونيو) 2013، وما زال يتحرك بحرية مطلقة.
 
وثائق سرية ضُبطت في حوزة قيادات الإخوان، إبان نظام الرئيس مبارك، تضمنت رؤية شاملة لتجنب عملية اختراق التنظيم من الأمن المصري، بعد تمكنه من تجنيد عناصر مؤثرة داخل الجماعة، وكشف الهيكل التنظيمي، والكيانات المالية، لدرجة دفعت الجماعة إلى تغيير مسؤولي المكاتب الإدراية دورياً، وقصر التفاصيل والمعلومات الهامة واللقاءات الخاصة على شخصيات محددة.
 
عدد من القيادات الفاعلة في المكوّن الإخواني، عقب سقوط حكم المرشد، دارت حولهم الشكوك وعلامات الاستفهام، بعدما ظلوا طلقاء يمارسون حياتهم طبيعياً، من دون وضعهم على قوائم الملاحقة الأمنية، كما لم تشملهم الاتهامات الضمنية بالتحريض على العنف ضد مؤسسات الدولة، برغم وجودهم على قمة الهرم التنظيمي، ما دفع الكثير من القواعد الإخوانية الهاربة في تركيا، إلى وصفهم بـ"عملاء أمن الدولة" في الجماعة.
 
في مقدمة هذه النماذج الإخوانية، الدكتور أحمد فهمي، رئيس مجلس الشورى السابق، وصهر الرئيس المعزول محمد مرسي، وكذلك المحامي محمد طوسون، رئيس اللجنة التشريعة في مجلس الشورى السابق، والقيادي علي فتح الباب، زعيم الأغلبية في مجلس الشورى السابق (تم إخلاء سبيله في قضيتين)، والمحامي عبد المنعم عبد المقصود (تم إخلاء سبيله في قضية حوادث بين السرايات)، والمتحدث الرسمي السابق للرئاسة في عهد الإخوان، ياسر علي، الذي تم التحفظ عليه ثم الإفراج عنه بعد أشهر معدودة، وكذلك ممدوح الحسيني المعروف بالمرشد السري للإخوان حالياً، فضلاً عن عدد كبير من قيادات المكاتب الإدارية، واللجان الرئيسية داخل التنظيم.
 
ربما تعدّ أخطر الوقائع التي تدركها جماعة الإخوان، اختراق الأمن المصري "مكتب الإرشار" بالصوت والصورة، وتسجبل كل اللقاءات التي كانت تتم بين جدران مقر سلطة الجماعة، لا سيما في منطقة منيل الروضة قبل حوادث كانون الثاني 2011، بالإضافة إلى عدد من المقار الرئيسية التي تحولت غرف عمليات للجماعة ونشاطها تحت مسميات وهمية كمؤسسات تجارية، وشركات سياحية، ومدارس خاصة.
 
تعتبر أوراق القضية الرقم 87 لسنة 1992، نموذجاً لقدرة الأمن المصري على إسقاط النقاب عن الكهف التنظيمي للإخوان، بعد رصده احتفاظ قيادات الجماعة بوثيقة "خطة التمكين"، داخل مقر شركة "سلسبيل"، (أحد الكيانات التي أسسها خيرت الشاطر وحسن مالك)، وتضمنت بنوداً هامة حول مشروع السيطرة على مفاصل الدولة.
 
 زادت محاولات الاختراق المعلوماتي للخلايا الإخوانية المسلحة وروافدها وفقاً لدرجات الخطورة التي تمثلها في عمق الشارع المصري، فخلال نهاية عام 2013، تمكن قطاع الأمن الوطني، من اختراق اللجان الإخوانية، والحصول على جهاز "لاب توب" خاص بقائد الجناح المسلح، محملاً عليه التفاصيل الكاملة للخلايا النوعية التي أسسها محمد كمال، وخريطة الأماكن المستهدفة، ما أسهم في اختراق تلك الخلايا المسلحة وتفكيكها مبكراً، فضلاً عن تجنيد عناصر فاعلة في المؤسسات الإعلامية الإخوانية التي تبث من داخل تركيا وقطر ولندن.
 
نهاية عام 2016، كانت جماعة الإخوان على موعد مع مشهد جديد، أربك الحالة التنظيمية وضربها في مقتل، عقب الاعترافات التي أدلى بها القائم بأعمال مرشد الإخوان حالياً، إبراهيم منير، أثناء استضافته في برنامج "مراجعات"، الذي يقدمه عزام التميمي على قناة "الحوار"، من أنه ارتبط بعلاقات وثيقة بضباط جهاز أمن الدولة المصري خلال ستينات القرن الماضي، وتم تكليفه كتابة تقارير عن أفراد الإخوان، وأنه كان دوماً يلتقي اللواء حسن أبو باشا (رئيس جهاز أمن الدولة حينها)، وعدداً من كبار الضباط، وأنه كان على علم بالمداهمات الأمنية منذ عام 1965، وأن الأمن المصري اضطر لاعتقاله خلال المداهمات، من باب التمويه، ثم الإفراج عنه، حتى لا تثار حوله الأقاويل والشكوك.
 
عادة ما كانت ترد التنظيمات الأصولية على محاولة اختراق الأمن المصري لصفوفها بعمليات مسلحة تستهدف أهم ضباط مكافحة الإرهاب، فتم اغتيال اللواء رؤوف خيرت، نائب رئيس جهاز أمن الدولة، والمقدم أبو بكر عزمي عام 1993، والمقدم أحمد علاء، رئيس قسم مكافحة النشاط الديني عام 1991.

ومنذ حزيران (يونيو) 2013، شنت الجماعة وفصائلها المسلحة، عدداً من العمليات التي استهدفت ضباط مكافحة الإرهاب في الأمن الوطني، فتم اغتيال الرائد محمد أبو شقرة، في 10 حزيران (يونيو) 2013، والمقدم محمد الحوفي، في  14 نيسان (أبريل) 2020، وكل من المقدم أحمد فايز، والمقدم أحمد جاد، والمقدم محمد عبد الفتاح، والرائد أحمد عبد الباسط، خلال معركة "الواحات البحرية"، في تشرين الأول 2017. وسبقهم استهداف المقدم محمد مبروك، مسؤول النشاط الديني في جهاز الأمن الوطني، في تشرين الثاني (نوفمبر) 2013، والذي تتلمذ على يد اللواء أحمد رأفت (الحاج مصطفى رفعت)، أحد العقول الأمنية المصرية التي انحازت بقوة لما يسمى بـ"المراجعات الفكرية"، في محاصرة مواجات العنف في تسعينات القرن الماضي.
 
لم يكن محمد مبروك ضابطاً عادياً، لكنه كان بمثابة جهاز كمبيوتر مسجلة عليه التفاصيل والمعلومات التي من شأنها كشف تورط قيادات الإخوان بحكم مسؤوليته عن ملف الجماعة لفترة طويلة، بخاصة أن الجماعة حاولت إطاحته خلال عملية تفكيك جهاز أمن الدولة عقب حوادث كانون الثاني 2011، كنوع من خلق كيانات أمنية جديدة يمكن تحييدها تجاه المشروع الإخواني.


 




 
الكلمات الدالة