إعلان

هناك في عمق الصّورة يقع العراق

المصدر: النهار العربي
فاروق يوسف
فاروق يوسف
صورة بوتين في بغداد قبل إزالتها
صورة بوتين في بغداد قبل إزالتها
A+ A-
في نهاية عهد صدام حسين تفاقمت ظاهرة الصور الجدارية التي يظهر فيها بمختلف الأوضاع والأزياء. كان واضحاً أنه يعيش حالة من الإحباط المعنوي واليأس والعزلة التي لم يكن في إمكانه تخطيها، بالرغم من أنه لم يتوقف عن إلقاء خطب كانت أشبه بالمرثيات المدثرة بتفاؤل كان من الصعب ترجمته واقعياً في ظل انهيار الأوضاع الاقتصادية للشعب العراقي، بسبب الحصار اللئيم الذي فرضه المجتمع الدولي عليه.
 
كانت حاشية الرئيس، وخاصة منهم مَن يعملون في مجال الإعلام، قد وجدوا في صوره وسيلة لإسعاده أو هكذا ظنوا، بعدما كان الرئيس في ماضي أيام تعاليه وغطرسته يشرف بنفسه على إنتاج صوره، يستبعد السيئ منها ويوافق على اعتماد الجيد منها، سواء في الصحافة أم على الجدران والطوابع وأغلفة الكتب والدفاتر المدرسية وبوابات المدارس والجامعات والعملة الورقية، وفي الساعات والميداليات الذهبية التي كان يوزعها هدايا على زواره من أبناء الشعب.
 
ولا أبالغ إذا قلت إن أي بيت لم يكن يخلو يومها من صورة لصدام حسين بغض النظر عن حجمها. كانت غالبية من العراقيين البسطاء تعلق صور الرئيس في بيوتهم خشية أن يزورهم ولا يجد صورته معلقة في غرفة الضيوف.
 
كان ذلك زمن عزه كما يُقال. غير أن زمن الصور لم يبدأ مع صدام حسين، بالرغم من أن الرجل بالغ في سعته إلى درجة الجنون. لا أعرف ما جرى في عهد عبد الكريم قاسم، وهو العسكري الذي أسقط الملكية واعتمد النظام الجمهوري عام 1958، غير أن صوره لا تزال قيد التداول في الطوابع والصحون والأربطة والساعات. أنا على يقين من أن صوره المطبوعة كانت توزع عند مفترق الطرق. بعد مقتله عام 1963 رأى عراقيون صورته على سطح القمر، بالرغم من أن فيلماً تلفزيونياً كان يبث بين حين وآخر يُظهر عملية إعدامه.
 
كانت الصورة قد سكنت الخيال ولم يعد في الإمكان إزالتها أو محوها. بالتأكيد فإن زعيماً شعبياً مثل عبد الكريم قاسم لم يكن يحلم بالتحول إلى صورة على سطح القمر بتأثير المخيلة الجمعية. كانت صورته بطلاً أبقى من صورته مقتولاً. هل كان قاسم ينفق على خلوده؟ الفرق بينه وبين صدام حسين أن الأخير ترك وراءه صوراً جدارية لا تُحصى، قامت الغوغاء بتشويهها والاعتداء عليها، ولكن صوره على الساعات والميداليات لا تزال مخبأة في الأدراج، تساهم في صناعة الحنين إلى الماضي في مواجهة حاضر سيئ. 
 
كانت صور الرؤساء تقليداً شعبياً عراقياً. رأينا من يقبّل صور صدام حسين، وفي المقابل رأينا من يضربها بالحذاء. لذلك فإن ظهور صور المعممين في الشوارع بعد الاحتلال الأميركي عام 2003 مباشرة لم يكن حدثاً مفاجئاً. كان الحدث بمثابة إشارة إلى تحوّل العراق من دولة مدنية يحكمها العسكر إلى دولة دينية يحكمها مدنيون زائفون. لقد فرضت الأحزاب والتيارات الدينية حضورها بقوة تلك الصور قبل أن تتمكن من إلحاق أصحاب الصور بالميليشيات التي تم تأسيسها على عجل. كان هناك صور لمحمد باقر الحكيم الذي صار شهيداً في ما بعد، ومحمد باقر الصدر الذي ارتكب صدام حسين خطأً شنيعاً بتحويله إلى شهيد، أما محمد صادق الصدر فقد كان رجلاً به شيء من العصاب الذي قاده إلى الموت. لم تتعرض تلك الصور التي انتشرت على الجدران للتشويه إلا في حالات استثنائية، غير أن صور قاسم سليماني زعيم فيلق القدس الإيراني الذي قتل في بداية 2020 بالعراق تعرضت للنسف غير مرة. 
 
أما حين تحل صور الرئيس الروسي بوتين محل صور سليماني تعبيراً عن دعم روسيا في حملتها الأوكرانية، فإن ذلك لا يعبر عن تبدل طرأ على مزاج الشعب العراقي. ذلك لأن عبارة "نحن ندعم روسيا" مذيلة بـ"أصدقاء الرئيس" التي أطّرت صورة بوتين التي رفعت وسط بغداد، إنما تعبر عن انحياز طرف حزبي إلى روسيا في مواجهة أطراف حزبية أخرى لا تود إظهار عدائها للمعسكر الغربي. وليس مفاجئاً أن يكون الطرف الذي أدخل صورة بوتين في سياق التعامل البصري العراقي هو الطرف الذي يشاكس الدولة لكي يلفت أنظارها إليه، بعدما هُزم في الانتخابات الأخيرة.
 
عن طريق تلك الصورة سعت الميليشيات إلى التأكيد أنها لا تزال قادرة على أن تفعل ما تشاء، وأن هزيمتها لم تُضعف قبضتها التي تمسك بالشارع. ذلك ما يعني أن العراقيين قد لجأوا إلى حرب الصور تعبيراً عن خلافاتهم الداخلية. وليست صورة بوتين التي أزالتها الحكومة في وقت لاحق إلا نوعاً من محاولة لفت النظر المزدوج. فهي من جهة تعبر عن ولاء لموقف إيراني مستتر، ومن جهة أخرى تستفز مواقع خاملة في المخيلة العراقية تستلهم عملها من صورة البطل، حتى لو كان غريباً ولا ينطوي حضوره البصري على أي نفع.     
 
بغض النظر عن الوقت الذي استغرقه ذلك الاستعراض الخادش للموقف المتحفظ والحيادي الذي أبدته الأطراف المنتصرة في الانتخابات من الصراع في أوكرانيا، فإن حشر الرئيس بوتين في عالم المخيلة الصورية العراقية يعد خروجاً لافتاً على البرمجة الدينية التي فُرضت منذ عام 2003، من أجل إنتاج أيقونات صورية تقتصر على الموتى. 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم