إعلان

إيران بين حلم 2015 وواقع 2020

المصدر: النهار العربي
خيرالله خيرالله
خيرالله خيرالله
متظاهرون عراقيون يطالبون بخروج الإيرانيين من بلادهم
متظاهرون عراقيون يطالبون بخروج الإيرانيين من بلادهم
A+ A-
يحلم من يعتقد انّ إدارة جو بايدن ستعود، بالظروف والشروط نفسها، الى الاتفاق في شأن الملفّ النووي الإيراني الذي وقعته "الجمهورية الإسلامية" مع إدارة باراك أوباما في اطار مجموعة الخمسة زائداً واحداً صيف العام 2015.
 
لن تكون عودة الى الاتفاق من منطلق يقوم على أنّ هذا الملفّ يختزل كلّ مشاكل المنطقة.
ظنّت الولايات المتحدة في عهد أوباما، الذي كان فيه جو بايدن نائباً للرئيس، أن الاستقرار الإقليمي مرتبط أساساً في منع إيران من الحصول على السلاح النووي، لا أكثر. كذلك، ظنّت أن الاتفاق الذي كانت الدول ذات العضوية الدائمة في مجلس الأمن زائداً المانيا طرفاً فيه، تضمّن ما يكفي من القيود التي تحوّل إيران دولة طبيعية من دول المنطقة.
 
لم يحصل شيء من ذلك كلّه. كان الاتفاق بمثابة نقطة تحوّل في اتجاه إعطاء مزيد من الدفع للمشروع التوسّعي الإيراني، تماماً كما حصل في العام 2003 عندما قدّمت إدارة جورج بوش الابن العراق على صحن من فضّة الى إيران. كانت الحرب الأميركية على العراق التي شاركت فيها إيران بطريقة أو بأخرى بحماسة منقطعة النظير، تطوراً لا سابق له على صعيد ضرب التوازن الإقليمي وذلك بعدما ألغت إيران حدودها مع العراق وصارت تسرح وتمرح فيه. حدث ذلك من طريق الميليشيات المذهبية العراقية الموالية لها والتي عادت الى بغداد على ظهر دبابة أميركية!
 
لماذا لا عودة الى اتفاق صيف 2015 بالظروف والشروط ذاتها، حتّى لو كان المسؤولون في إدارة بايدن، بمن في ذلك الرئيس المنتخب نفسه ووزير خارجيته المعيّن انطوني بلينكن، يركزون على انتقاد دونالد ترامب وتمزيقه الاتفاق في العام 2018؟ يعود ذلك الى أن المنطقة تغيّرت والعالم تغيّر. وهذا ما لا تريد إيران الاعتراف به. لا تريد الاعتراف بأنّ هناك فارقاً بين الحلم والواقع، بين حلم 2015 وواقع 2020.
 
طرحت السنة 2020 تحديات من نوع مختلف جعلت من العودة الى الاتفاق المتعلّق بالملفّ النووي الإيراني، تماماً كما هو، كما يطالب وزير الخارجية محمّد جواد ظريف، أقرب الى المستحيل.
 
ثمّة عوامل كثيرة تعزّز هذا التوجّه. في مقدّم هذه العوامل أن جو بايدن سيكون منشغلاً، أقلّه طوال السنة الأولى من عهده، في ترميم الاقتصاد الأميركي ومعالجة الآثار المترتبة على انتشار وباء كورونا (كوفيد – 19) الذي لا تزال تفاعلاته تؤثر في كل نواحي الحياة في الولايات الأميركية الخمسين، خصوصاً في كاليفورنيا.
 
بالنسبة الى السياسة الخارجية، ستكون إدارة بايدن منشغلة، في ما سيتبقّى لها من وقت، بتشكيل تحالف دولي يمكّنها من مواجهة التحدّي الصيني أساسا والروسي الى حدّ ما. تبحث اميركا حالياً عن كيفية تشكيل تحالف دولي في مواجهة الصين يضمهّا مع اليابان وكوريا الجنوبية ودول أخرى قريبة من الصين. في صلب هذا التحالف الدولي، ستكون أوروبا التي سيسعى الرئيس المنتخب الى إعادة مدّ الجسور معها. ولأسباب روسية، ستعيد الإدارة الجديدة الاعتبار الى حلف شمال الأطلسي الذي أبدى ترامب احتقاراً له ولدوره.
 
في عالم تبدّلت أولويات أميركا فيه، بين 2015 و 2020، يُفترض في "الجمهورية الإسلامية" إدراك أنّ المنطقة نفسها تغيّرت في ظلّ التهديدات التي تمثلها هذه الجمهورية لدولها وفي ظلّ الطموحات التركية. يكشف هذه الطموحات رفض الرئيس رجب طيّب أردوغان، مثله مثل "المرشد" علي خامنئي، التعاطي مع الواقع المتمثّل في أن بلده ليس قوّة عظمى... وأن "الإخوان المسلمين" الذين يستثمر فيهم ليسوا سوى مجموعة متخلّفة يمكن أن توظّف في مشاريع تخريبية ولا تصلح لأيّ مهمّة أخرى...
 
إضافةً الى ذلك كلّه، لم تعد إيران قادرة على تجاهل الدور الإسرائيلي في المنطقة، وهو دور لا يقتصر على سوريا وحدها حيث راهنت الدولة العبرية في الماضي على النظام الأقلّوي الذي أسّسه حافظ الأسد قبل نصف قرن. لم يعد ممكناً استمرار الرهان الإسرائيلي على نظام آل الأسد في ضوء البنية التحتية التي أقامتها إيران في الجنوب السوري ومناطق أخرى... وسعيها الدؤوب الى تغيير طبيعة سوريا ولبنان أيضاً. فطاقم بشار، بخلاف طاقم ابيه، افقد النظام ميزة "صندوق البريد". ما عاد النظام السوري حاجة إسرائيلية بعدما ارتهن لـ"الحرس الثوري".
 
دخلت إيران في حرب مكشوفة مع إسرائيل التي ترسل إشارة تلو الأخرى الى أن ليس في استطاعتها تحمّل، لا برنامجها النووي ولا صواريخها الباليستية. هذه الصواريخ استخدمت في قصف منشآت نفطية سعوديّة في ابقيق في 14 أيلول (سبتمبر) 2019. كانت الإشارة الإسرائيلية الأخيرة الى إيران اغتيال العالم النووي محسن فخري زاده قرب طهران. ليس في استطاعة أيّ إدارة أميركية غض النظر عن وجود مثل هذه الحرب.
 
ليس ما يؤكّد حجم التغيير الذي طرأ على نظرة العالم الى إيران أكثر من تصريح حديث لوزير الخارجية الألماني هيكو ماس الذي قال: "لدينا توقعاتنا الواضحة تجاه ايران: لا أسلحة نووية، ولكن أيضاً، لا برنامج لصواريخ باليستية يهدّد المنطقة كلّها. كذلك، على إيران لعب دور مختلف في المنطقة".
إنّه كلام قليل للوزير الألماني، لكنّه يقول الكثير، خصوصاً أنّه صادر عن البلد الأهمّ في أوروبا التي تسعى إدارة بايدن الى استمالتها.
 
خلاصة الكلام أن العودة الى الاتفاق النووي او الى صفقة أميركية مع إيران لا تستطيع تجاهل أوروبا والموقف الألماني تحديداً. هذا معناه بكلّ بساطة أن على إيران وضع صواريخها ومشروعها التوسّعي، من لبنان... الى اليمن على الطاولة. هل من حياة للنظام الإيراني المأزوم، الذي ارهقته العقوبات الأميركية في عهد دونالد ترامب، من دون امتلاك القدرة على تصدير أزماته الى خارج حدود "الجمهورية الإسلامية"؟
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم