إعلان

"خلايا التّماسيح"... ومشروع الإسلام الرّاديكالي لغزو أوروبا

المصدر: النهار العربي
عمرو فاروق
الأخوان في لندن
الأخوان في لندن
A+ A-
 
ثمّة إشكالية كبرى في المجتمعات الأوروبية تكوّنت على مدار سنوات طويلة، جعلتها ساحة متّسعة للعناصر التكفيرية ومرتكزاً لتوطن الخلايا الكامنة أو "خلايا التماسيح"، من ضمنها ظاهرياً عودة عدد كبير من المتطرفين إلى بلدانهم الأصلية، لصناعة بؤرة تدين بالولاء للفكرة الداعشية بمحاورها المتعددة.
 
تعتبر "خلايا التماسيح" استراتيجية أقرب إلى نهج عمليات "الذئاب المنفردة"، وتتشكل من مجموعات من العناصر "الانغماسية"، تتحرّك بتعليمات مباشرة من القيادة الداعشية، وتم الكشف عنها هويتها في إحدى الوثائق السرية التي عثرت عليها المخابرات البريطانية.
 
النهج المتّبع لـ"خلايا التماسيح"، يتمثل في زيادة الهجمات الإرهابية وتفجير المركبات والاستهدافات واختراق الحواسب في العمق الأوروبي من خلال الخلايا الكامنة أو المرجعيات العائدة من بؤر الصراع إلى موطنها، وتحريكها عن طريق ما يسمى بـ"مكتب العلاقات الخارجية لإدارة العمليات في أوروبا". ووفقاً لتقرير لمجلس الأمن الدولي صادر في 15 حزيران (يونيو) 2019، فإن أكثر من 1000 داعشي مدربين عادوا إلى أوروبا بين عامي 2016 و2018. 
 
على مدار السنوات الأخيرة، تحوّلت التوجهات الجهادية من مجرد مشروع تنظيمي إلى فكرة أيديولوجية قابلة للتطور والتجدد والتمدد، مكّنت التنظيم الداعشي التوحشي من صناعة شبكة من الخلايا زرعت بسهولة في الدول الأوروبية، وأصبحت بمثابة صداع مزمن للحكومات ولأجهزة الاستخبارات والأمن الغربية. إذ تعمل "خلايا التماسيح" السرية، في العمق الأوروبي، على إخفاء نشاطها عن أعين أجهزة الأمن والاستخبارات الغربية، من قبيل التّمويه مع الإبقاء على عنصر الاتصال بالقيادة الرئيسية بهدف تنفيذ سلسلة هجمات معتمدة على استراتيجية المفاجأة والمباغتة لإثارة الرعب.   

معظم العمليات التي نُفذت في العمق الأوروبي ظاهرياً تبدو كأنها عمليات "ذئاب منفردة"، لكنها في الحقيقة ليست كذلك، لكون منفذيها يرتبطون تنظيمياً بالكيان الداعشي، ويتلقون تعليماتهم من القيادة الهرمية مباشرة، أو عن طريق وسيط.
الأسباب الحقيقية لتبلور ظاهرة الإرهاب الأوروبي متعددة، بعضها يرجع - على سبيل المثال - إلى احتضان بعض الأنظمة السياسية الأوروبية عناصر متشددة دينياً، متورطة في أعمال عنف، ومتهمة من الأنظمة العربية، لا سيما قيادات تنظيمات الجهاد المصرية، والجماعة الإسلامية، وشخصيات على علاقة  بتنظيم القاعدة، وعناصر تابعة للتنظيم الدولي لـ"الإخوان".
 
الاحتواء في ذاته لم يكن من باب هامش الحريات والديموقراطية، لكن من قبيل التوظيف السياسي كأوراق ضغط "جيوبولتيك"، والاستفادة من هؤلاء العناصر في خدمة مصالح الأنظمة الغربية، والسيطرة على الجاليات والأقليات العربية، أمثال أبو حمزة المصري، وهاني السباعي، وياسر سري وغيرهم، ممن تمركزوا في الداخل الأوروبي وأسسوا مراكز ومؤسسات بحثية وحقوقية تحوّلت خناجر ضد الأنظمة السياسية العربية. 
 
وتم تقديم هذه الشخصيات المتطرفة ممثلة للإسلام في الغرب، وتجسيداً واقعياً وحقيقياً للمسلمين وللشريعة الإسلامية، بهدف خلق فكرة "الكراهية" السياسية والاجتماعية وتصديرها، فضلاً عن زيادة انتشار ظاهرة "الإسلامو فوبيا"، واتساع الفجوة بين الشعوب العربية والغربية، لخدمة الأنظمة الغربية الحاكمة.
 
في المقابل، كان الغرب في مرمى استهداف تيارات الإسلام الراديكالي، من خلال فكرة الكراهية المتبادلة، بخاصة في ظل صعوبة تعايش الجيلين الثاني والثالث من المهاجرين والاندماج الكامل أو الاتساق مع العادة والتقاليد الغربية، وفقدانهما للهوية المجتمعية، فتم تغذية تلك الحالة باستدعاء الحنين لأمجاد الخلافة الإسلامية وفتوحاتها، على أيدي أنصار تيارات الإسلام السياسي، والتباهي بغزو أوروبا، والتأثر بالتاريخ الاستراتيجي للفاتحين الأوائل أمثال: نور الدين محمود، وألب أرسلان، ومحمد الفاتح، ونور الدين زنكي، وصلاح الدين الأيوبي، وسيف الدين قطز، ويوسف بن تاشفين، وسليمان القانوني.
 
وضعَ تيار الإسلام الحركي في مقدمة أولوياته محاولة إعادة غزو أوروبا والغرب عامة، وفق ما سُمّي بـ"أستاذية العالم"، التي طرحها حسن البنا، وصار على دربه الكثير من حركات الجهاد المسلّح وكياناته.
 
اعتمدت بعض كيانات الإسلام السياسي، على سياسة القوة الناعمة في غزو أوروبا، منذ مرحلة الثمانينات من القرن الماضي، بهدف السيطرة على الغرب، تحقيقاً لمشروع دولة الخلافة المزعومة، وفي المقدمة جماعة "الإخوان المسلمين" التي لجأت إلى فكرة الاستقطاب المجتمعي للفكرة الإسلامية، وتأسيس عشرات المراكز الإسلامية الكبرى، والتغلغل في مؤسسات ودوائر صنع القرار الغربي، والسعي لاستمالتها الى مشروع الإسلام السياسي.
 
كانت باكورة مخططها تدشين ما سُمّي بـ"مؤسسات التنظيم الدولي" والتمركز بها داخل أوروبا، على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية أيضاً، مثل جمعية الوقف الإسلامي في أميركا الشمالية عام 1973، والمجتمع الإسلامي لأميركا الشمالية (إسنا)، ورابطة الطلاب المسلمين (MSA)، عام 1962، والمعهد العالمي للفكر الإسلامي، ومجلس العلاقات الإسلامية الأميركية (كير)، والجمعية الإسلامية الأميركية (ماس)، والمجمع الفقهي لأميركا الشمالية.
 
وشهدت مرحلة التسعينات من القرن الماضي، توسع "الإخوان" في تكوين المؤسسات والجمعيات في أوروبا، وتم إنشاء اتحاد المنظمات الإسلامية ليكون واجهة للتنظيم الدولي للجماعة، وضم أكثر من 500 منظمة في دول الاتحاد الأوروبي.
في 7 تشرين الثاني (نوفمبر) 2001، عثرت السلطات السويسرية على مخطط في فيلا فخمة في كامبيوني مملوكة ليوسف ندا (الأمين العام للتنظيم الدولي حينها)، تحت مسمى "وثيقة المشروع الكبرى".
 
تتضمنت الوثيقة خطوات في 14 صفحة كُتبت باللغة العربية وأرخت بتاريخ 1 كانون الأول (ديسمبر) 1982، وذلك بعد أشهر قليلة من إصدار لائحة التنظيم الدولي في حزيران (يونيو) 1982، وقد لخّص في هذه الخطة استراتيجية من 12 نقطة من أجل "إقامة حكومة إسلامية في الغرب" والتي عرفت بـ"وثيقة المشروع السري لغزو الغرب"، أو مشروع السيطرة على أوروبا والأميركتين.
 
 وبحسب شهادة أدلى بها يوسف ندا للسلطات السويسرية، فإن الوثيقة أُعدّت على أيدي "باحثين إسلاميين"، وهي تمثل توجهاً مرناً متعدد المراحل وطويل الأمد "للغزو الثقافي والفكري" للغرب.
 
تضمّنت الوثيقة السريّة توصيات بـ"استخدام التمويه للتغطية على الأهداف الحقيقية للأعمال الإسلامية، وبناء شبكة اجتماعية واقتصادية كبيرة من المدارس والمستشفيات والمنظمات الخيرية، وإلحاق عناصر إخوانية بالمؤسسات على كل المستويات في الغرب، بما فيها الحكومة والمنظمات غير الحكومية والخاصة، واستخدام المؤسسات الغربية بفعالية حتى يتسنى وضعها في خدمة الإسلام، والقيام بتحالفات مع المنظمات الغربية التقدمية التي تتشارك الأهداف نفسها".
 
عام 2004، عثرت السلطات الأميركية على وثيقة أخرى بعنوان "مذكرة توضيحية حول الأهداف الإستراتيجية للإخوان في أميركا الشمالية"، من 18 صفحة، صيغت عام 1991، جاء فيها: "إنّ الهدف الإستراتيجي العام لحركة الإخوان في أميركا، الذي أجازه مجلس الشورى في مؤتمره عام 1987، تمكين الإسلام في أميركا الشمالية، وهذا يعني تشكيل حركة إسلامية فاعلة ومستقرة، يقودها الإخوان، تتبنى قضايا المسلمين محلياً وعالمياً، وتعمل على توسيع قاعدة المسلمين وتوحيدهم وتوجيههم، وطرح الإسلام كبديل حضاري، ودعم الدولة الإسلامية أينما نشأت".
 وجاء فيها أيضاً: "وعلى الإخوان أن يفهموا أنّ عملهم في أميركا هو جهاد أكبر للقضاء على الحضارة الغربية من الداخل".
 
من جهة أخرى، اتجهت بعض كيانات الإسلام الراديكالي الى انتهاج العنف المسلح، واتباع المواجهة المباشرة، وفق سياسة التغيير من أعلى، تجاه المصالح الغربية، سواء داخل أوروبا أم خارجها، في ما يطلق عليه "العدو البعيد"، وتأخير الالتحام المباشر مع العدو القريب، "الأنظمة العربية"، وفقاً للنهج القاعدي لتنظيم أسامة بن لادن وأيمن الظواهري، وتشكيل ما يسمى بـ"الجبهة العالمية لقتال اليهود والصليبيين"، في شباط (فبراير) 1998، لغزو أوروبا، على اعتبار أنها ميراث للعالم الإسلامي.
 
واستمراراً لمحاولة الغزو الفكري والتنظيمي للقارة العجوز، كشفت وثائق رسمية للصحافيين الفرنسيين جورج مالبرونو (صحيفة لو فيغارو)، وكريستيان شينو (إذاعة فرانس أنتر)، عن أهم مشروع فكري لجماعة "الإخوان" في الغرب تحت مسمى "الغيث"، يتم تنفيذه في أكثر من 14 دولة أوروبية من خلال العمل الاجتماعي بهدف نشر المنهج الأيديولوجي والعقائدي لأفكار حسن البنا وسيد قطب.
 
يتماهى  مشروع "الغيث"، مع فكرة "نظرية المنابر"،التي شرحها أحد قيادات "الإخوان"، وتعني خلق مجتمع موازٍ يحمل توجهات "الإخوان" ومشروعها، بهدف احتواء الأفراد فكرياً وثقافياً واقتصادياً، واستقطابهم نفسياً وسلوكياً بما يتفق مع أهداف الجماعة وأدبياتها التنظيمية.
 
تعتمد "نظرية المنابر"، على استراتيجية تأثير نفسي وفكري، يتم من خلالها شحن الأفراد بعدد من الأفكار والسلوكيات الإخوانية، كما أن المساجد والمدارس ومراكز تحفيظ القرآن والمراكز الطبية تسهم جميعها في تنفيذ مشروع "الغيث"، بهدف تعزيز الهوية الإخوانية لدى المواطنين الأوروبيين وصناعة أجيال جديدة تتخذ من حسن البنا وسيد قطب ويوسف القرضاوي نموذجاً لحياتهم.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم