إعلان

فرنسا لا تنسى

المصدر: النهار العربي
العنود المهيري
العنود المهيري
رسم يمثل الغزو الفرنسي للجزائر
رسم يمثل الغزو الفرنسي للجزائر
A+ A-
الشعوب المقهورة لا تنسى لأن الذاكرة أقوى أسلحة المقاومة. فكم بدا تصريح إيمانويل ماكرون هزلياً بأن الشعب الجزائري لا يكنّ الضغينة لفرنسا، بل أن الطغمة السياسية في البلاد تقوم بتغذيتها. 
 
الشعوب لا تنسى. ويبدو أن الجبابرة المنهزمين لا ينسون أيضاً. 
لنعد إلى 1830. كانت فرنسا تعاني ديوناً تبلغ 22 مليون فرنك، أي قرابة 22 مليار دولار بحسابات اليوم، وتفتش عن سوق جديد لبيع صادراتها الصناعية، وجلب اليد العاملة الرخيصة، ناهيك بأن الجزائر كانت لتحل مشكلة الانفجار السكاني في المدن الفرنسية. 
 
وربما كانت البداية مبشّرة بالنسبة إلى المستعمر المدفوع بنهمه لنهب الثروات، فبمجرد سقوط العاصمة الجزائر، سرق الفرنسيون 50 مليون فرنك من خزائن حكومتها. 
سرعان ما تحوّلت الجزائر جوهرة في تاج الإمبراطورية الفرنسية مثلما هي الهند بالنسبة الى بريطانيا. لقد صادر الفرنسيون 2.7 مليون هكتار من الأراضي الزراعية، ووجدوا تحت تصرّفهم ما قيمته 3 ملايين فرنك من القمح الذي كانوا يستوردونه سابقاً بالدين من الجزائر! لقد بسطوا نفوذهم على اقتصاد البلد ذي الأغلبية المسلمة، حتى أنهم -للمفارقة- جعلوا الخمور أهمّ صادراته. 
 
ولكن مع الوقت، تحوّل الاستعمار إلى وبال مؤلم على الفرنسيين، خصوصاً أن دافع الضرائب الفرنسي كان يتحمّل عبئه المادي، إذ تقتطع الجزائر قرابة ثلث موازنتها من موازنة فرنسا. بحلول 1912 فحسب، وصل الإنفاق العسكري التراكمي للفرنسيين في الجزائر إلى 4 مليارات فرانك، بينما كلّفتهم حرب الاستقلال وحدها في السنوات بين 1954 و1962 ما يقارب 10 مليارات.
 
أصبحت المهمة الصعبة في الحفاظ على الجزائر بعد أكثر من قرن من الاستعمار تنبعث في المقام الأول من أهميتها الاستراتيجية لفرنسا. 
ثم وكأن الفرنسيين لم يتكبّدوا ما يكفي من الإذلال والمتاعب لمجرد البقاء في الجزائر، فقد أتت حرب الاستقلال المريرة، وكانت الهزيمة إذ فقدت فرنسا 35 ألف جندي، وهو رقم مهول بالنسبة إلى تطلعاتها الاستعمارية، واضطرت إلى الانسحاب إلى غير رجعة. 
ولم يكتفِ مليون أوروبي بالفرار من الجزائر بعد أن اطمأنت فرنسا إلى أنها ستلقي بعبئهم عليها، بل وإمعاناً في القهر، فقد اضطرت فرنسا إلى ترك جميع المباني والمرافق والبنى التحتية التي أرست دعائمها لتدليل أبنائها المهاجرين. وأراهن أنه لو كان الأمر بيدها، لاقتلعت حتى قرميد الشوارع التي عبّدتها في الجزائر، وحملته معها، فهي لم تتورع على الجانب الآخر عن سلب الكتب والفنون والآثار. 
 
أبعدَ كل هذه الصفعات المتوالية نتوقع من فرنسا بكل بساطة أن تنسى الجزائر، وتتجاوز رهان أسلافها الخاسر على الاستعمار؟ أبعدَ انتهاء مشروع 132 عاماً بالهزيمة، ننتظر من طبقتها السياسية ألا تكون محملة بالضغينة؟
فرنسا تتناسى القتل والتعذيب والاغتصاب، والتجارب النووية على الجزائريين العزل، ومحاربة هوية البلد ولغته العربية. ولكنها لا تنسى يديها الخاويتين. 
تعيشي وتأكلي غيرها يا بلد الحرية والتنوير.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم