إعلان

الرواية الحقيقة عن "لصوص البيوت" الإسرائيليين الأوائل

المصدر: النهار العربي
غسان زقطان
غسان زقطان
نكبة فلسطين : سرقة الارض وما عليها
نكبة فلسطين : سرقة الارض وما عليها
A+ A-
في 24 تموز (يوليو) 1948، بعد شهرين من إعلان قيام إسرائيل، قال أول رئيس للحكومة الإسرائيلية ديفيد بن غوريون، حسبما جاء في محضر لاجتماع مركز "مباي": "تبين أن معظم اليهود لصوص... أقول ذلك بصورة متعمدة وببساطة، لأن هذه هي الحقيقة للأسف". هذه الوثيقة المحفوظة في متحف حزب العمل، هي التي قادت المؤرخ الإسرائيلي آدم راز الى بحثه الواسع حول سرقة الممتلكات العربية خلال النكبة، والذي في طريقه للصدور في كتاب  عن دار "الكرمل" بالتعاون مع معهد "عكفوت" لأبحاث النزاع الاسرائيلي – الفلسطيني والمختص بالبحث في وثائق النكبة وأرشيف الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. وعمل راز في المعهد منحه مداخل واسعة الى شبكة الأرشيفات والوثائق والشهادات التي أوردها في كتابه (321) صفحة.
 
كانت هناك دائماً أحاديث عن عمليات النهب الواسعة للممتلكات الفردية الفلسطينية، ولكنها بقيت في سياق الهوامش والأحاديث الجانبية، او تلك التي تأتي في سياق الأمثلة أو من خلال روايات شخصية، وما فعله راز هو جمعها وتوثيقها عبر البحث في عشرات المتاحف وأرشيفاتها، والعودة الى الأرشيف الصحافي والشهادات وأدبيات الحرب ومحاضر الأحزاب والمنظمات، وكل ما يتعلق بالمعلومات والوثائق حول سرقة المستوطنين اليهود الممتلكات العربية خلال النكبة، من مدينة طبرية في الشمال، حيث انطلقت عملية النهب الكبرى الأولى مبكراً، وحتى بئر السبع في الجنوب، مروراً بحيفا التي يوثق الكتاب سرقة 70 ألفاً من سكانها ومحيطها العربي، ومدن الساحل وعشرات البلدات والقرى، وصولاً الى القدس التي تواصلت عمليات النهب فيها شهوراً بعد إعلان الهدنة.
 
يحمل الكتاب عنواناً واضحاً كما أشار راز في لقائه مع "هآرتس" هو "سرقة الممتلكات العربية في حرب الاستقلال". لقد أضاف السرقة كجزء من سياسة تلك الحرب ومكوّناتها الرئيسية، ولكنه حافظ على "الاستقلال". وفي إجابته الأخيرة عن معنى كل هذا تحدث عن تحصين صهيونيته عبر مواجهة السقوط الأخلاقي لمجتمع "المؤسسين".
 
الكتاب الذي حاورته حوله صحيفة "هآرتس" واطلع عليه بعض المختصين، احتل منذ الآن موقعاً مهماً في الإعلام الإسرائيلي.
 
فقد نشر الكاتب الإسرائيلي عوفر أديرت، أحد المطلعين على المخطوط، مقالة مطولة على حلقتين في "هآرتس"، استعرض فيها فصول الكتاب وأهم الشهادات والوثائق التي جمعها وأوردها راز.
 
 يقول أديرت في قراءته الموسعة لكتاب راز: "شملت السرقة محتويات عشرات آلاف البيوت والحوانيت، المعدات الميكانيكية، المصانع، المحاصيل الزراعية، الأغنام وغيرها. كما شملت أجهزة بيانو، كتباً، ملابس، مجوهرات، طاولات، أجهزة كهربائية، محركات وسيارات". 
 
"النقاش حول مصير الأراضي والمباني التي تركها خلفهم الـ700 ألف لاجئ عربي، الذين هربوا أو طردوا في الحرب، يتركه لباحثين آخرين. في الكتاب الحالي ركز راز على الممتلكات المنقولة فقط، الممتلكات التي يمكن تعبئتها في أكياس وتحميلها في شاحنات".
 
وخصص له الكاتب جدعون ليفي إحدى مقالاته في الصحيفة نفسها، والتي يمكن اقتباس هذا المقطع منها: "من المدهش أنهم لم يتحدثوا في أي يوم عن السرقة، وهذه عملية أخرى من عمليات الإنكار والنفي للمجتمع في إسرائيل، ولكن شهوة الانتقام وثمن الانتصار بعد حرب قاسية، يمكنها ربما أن تبرر ولو جزئياً مشاركة الكثيرين فيها. الحرب موضوع قبيح، ومثلها أيضاً اليوم الذي يليها. ولكن عندما لا تعكس السرقة فقط ضعفاً إنسانياً لحظياً، بل استهدفت أيضاً خدمة هدف استراتيجي واضح وهو تطهير البلاد من سكانها، فإن الكلمات يتم نسخها. ومن يعتقدون أنه سيتم العثور ذات يوم على حل للنزاع من دون تفكير مناسب وتعويض ملائم على هذه الأفعال، هم واهمون". 
 
يذكّر هذا الكتاب بموجة المؤرخين الجدد ثمانينات القرن الماضي، والتي فككت أسطورة التأسيس، وكسرت قداستها، عبر تقديم رواية مختلفة وموثقة لأحداث 47-48، ومنحت مساحة للرواية الفلسطينية المغيبة، كما ساهمت في توفير حقائق جديدة أمام الباحث الغربي الذي حوصر لعقود بالرواية الصهيونية، بحيث كان مجرد التشكيك بها يدخل في لائحة "اللاسامية".
 
صار من الممكن تخيل المنظمات الصهيونية وهي ترتكب سلسلة طويلة من المجازر في القرى والبلدات الفلسطينية في عملية تطهير عرقي ممنهجة، وهو ما تضمنه، على سبيل المثال، كتاب المؤرخ الإسرائيلي ايلان بابيه " التطهير العرقي لفلسطين".
 
الجيل الذي سيقرأ كتاب آدم راز، هو جيل مختلف، ولكنه تربى على "أسطورة المؤسسين" و"العمل العبري" وأيقونة "حرب الاستقلال" و"معجزة بناء الدولة"، وعليه الآن أن يعيد النظر في كل هذه "الأدبيات"، فالوثائق تتحدث عن تاريخ مختلف، وعن جيل من الغوغاء الذين تصارعوا الى حد سفك الدماء، كما توثق أكثر من شهادة، وهم يقتسمون الغنائم المسروقة، وسيكون من الصعب منذ الآن التحدث بطلاقة عن "أسطورة المؤسسين"، الذين اتضح أنهم مجاميع من لصوص البيوت.
 
الحديث هنا يتجاوز الكلام العام والمتداول، الى حد فقدانه معناه، حول نهب الثروات، والاستيلاء على المصادر الطبيعية وسرقة الأرض، ويذهب مباشرة نحو سلوك الأفراد وسلوك المجتمع نفسه، ويقدم مشهداً لمجاميع من الناس وهي تكسر الأبواب والنوافذ، وتقفز عن الأسيجة لتسطوَ على بيوت جيرانها، لتسرق المقتنيات الشخصية والأسرة والسجاد والملاعق وستائر النوافذ والصحون وملابس الأولاد في الخزانة، الأولاد الذين كانوا يركضون مع أولادهم قبل قليل، والصحون التي ربما استخدموها في لقاءات الجيرة، والمقاعد التي جلسوا عليها معاً في مناسبات الزواج.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم