إعلان

أميركا من قوات السلام إلى الحروب الأبدية

المصدر: النهار العربي
د.خالد باطرفي
د.خالد باطرفي
رسم لإحدى الحروب الأميركية الداخلية
رسم لإحدى الحروب الأميركية الداخلية
A+ A-
كان اللقاء في مدينة سياتل في ولاية واشنطن في ليلة خريفية من العام 2001. وكان الحديث مع نخبة من المثقفين والاعلاميين الأميركيين عن أسباب انخفاض شعبية الولايات المتحدة في العالم، بخاصة في العالمين العربي والإسلامي. وبعد أن أسهب بعض المتحدثين في التكهن بالأسباب التي نسبت الى غياب الدور السياسي أو حضوره في العالم النامي، والحرب على الإرهاب، وعدم تقبل أسلوب الحياة الأميركي. وكان سؤال الساعة، هو الذي طرحه الرئيس جورج دبليو بوش، "لماذا يكرهوننا؟" ورد عليه: لأننا أفضل وأغنى وأقوى! 
 
أميركا التي كانت 
قلت لهم إن أميركا كانت رمزاً للعالم الجديد بكل ما يعنيه من أحلام حرية وفرص ورخاء عندما حاربت المستعمر البريطاني وحررت العبيد وخاضت الحرب العالمية الثانية لهزيمة الفاشية والنازية. ثم ساعدت الشعوب المتضررة على النهوض من فناء الصراع الى فضاء السلام.  
 
أحبها الناس عندما فتحت أبوابها للمهاجرين ومنحتهم بدايات جديدة في عالم جديد. ولما أبتعثت قوات السلام التطوعية لمحاربة الفقر والجوع والجهل والمرض في أقل مناطق أفريقيا وآسيا وأميركا الجنوبية حظاً في الحياة. تلك كانت أميركا التي سادت ثقافتها العالم بنجوم الفن والرياضة والعلوم والمعارف، وألهمت الأجيال بالنزول على القمر، واستكشاف الفضاء، وساهمت في الارتقاء بجودة الحياة في مجالات الطب والزراعة والصناعة والنقل والاتصال.   
 
لكن أميركا المثال تغيرت فتغير شعور العالم تجاهها. تحولت مع فائق القوة الذي توافر لها بعد الحرب العالمية الثانية، وأكثر مع تفردها بالقيادة الكونية إثر تفكك الاتحاد السوفياتي وانهيار المعسكر الشرقي، لتصبح امبراطورية استعمارية تهيمن على غيرها، وتفرض إرادتها، وتعيش على خيرات الشعوب. وذلك بالإنقلاب على أنظمة سيادية، وفرض أنظمة عميلة، مثل مشروع "الفوضى الخلاقة" في العالم العربي، والتي نحصد الى اليوم كوارثها.   
 
نصيب أمتنا 
ونال العرب والمسلمون نصيبهم من تعديات الإمبراطورية الصاعدة وتجاوزاتها في فلسطين والعراق وافغانستان، فتبخر رصيدها العظيم وتغيرت صورتها المبهرة من حاملة شعلة الحرية الى حاملة الطائرات والصواريخ النووية. وحل العسكري القبيح مكان الطبيب والمهندس المخترع والمصنع، العالم والمعلم. ولذا فالمشكلة ليست مع الشعب الأميركي، ولا الحضارة التي بناها، ولكن مع الساسة الذين انتخبهم والسياسات التي تبنوها. ولو عادت أميركا اليوم الى سابق عهدها في صف السلام لعاد العالم كله، ونحن معه، الى صفها. أما إذا واصلت حربها على الآخرين فلا تلوم الا نفسها لتزايد مشاعر  الكراهية ضدها. ومن دق باب الناس دقوا بابه.  
 
مر على هذا اللقاء عشرون عاماً، ونحن اليوم نستذكر أحداث أيلول (سبتمبر) التي أصبحت رمزاً لصراع الحضارات وأطلقت حملات الكراهية وحروب العقائد. فخلال عقدين من مطلع الألفية الجديدة، أحتلت أميركا بلدين مسلمين، أفغانستان والعراق، وحاربت بشكل مباشر أو غير مباشر في غيرهما. واستعادت بذلك تاريخاً طويلاً من الحروب يمتد مئات السنين.   
 
الحروب الأبدية 
وفي دراسة عسكرية حديثة لخصها محمد المنشاوي لموقع 180Post لم تتوقف الولايات المتحدة منذ تأسيسها في 1776 واستقلالها عن بريطانيا عام 1783 عن خوض الحروب مع بريطانيا وإسبانيا والمكسيك. كما وقعت في حرب أهلية دموية بين 1861 - 1865. وقاتلت فى الصين وكوريا واليابان والفيليبين وليبيا والجزائر وفي جزر البحر الكاريبي، وبخاصة في كوبا وهاييتي، لفرض إرادتها وهيمنتها ودعم مصالحها.  
 
ثم انتقلت بأساطيلها الى أميركا الجنوبية، فانخرطت في صراعات دموية في هندوراس ونيكاراغوا وبنما وكولومبيا لإقامة أنظمة حكم موالية، وكل ذلك قبل دخولها الحرب العالمية الأولى رسمياً عام 1917. وعقب الحرب العالمية الثانية التى أعلنت مشاركتها فيها علناً بعد الهجوم الياباني على بيرل هاربر عام 1941، وشاركت في الحرب الكورية (1953-1950) والحرب الفيتنامية (1955 - 1975). كما قامت بمغامرات عسكرية في غرينادا ولبنان وإيران وكوسوفو وهاييتي، ثم خاضت حروباً في منطقة الخليج منذ تسعينات القرن الماضي ضد العراق، واحتلت افغانستان عشرين عاماً. 
 
ضياع الهيبة 
والغريب أن معظم هذه الحروب لم تعد على الولايات المتحدة بأي جدوى ملموسة. وبعكس الدول الأوروبية والآسيوية التي استعمرت مناطق واسعة من العالم فأثرت واستنزفت ثرواتها واستعبدت شعوبها وحققت مكاسب استراتيجية وتجارية هائلة على مدى قرون، فقد أنفقت واشنطن ترليونات الدولارات على حروبها  العبثية ثم خرجت مهزومة، مكروهة، وخاسرة. والعجيب تجدد مشاهد الانسحاب المهين من فيتنام وإيران ولبنان وحتى أفغانستان. سفارات وقواعد تغلق على عجل، جنود ودبلوماسيون ومواطنون وعملاء ينسحبون بشكل مضطرب، وعودة منتصرة لأعداء أميركا التي حاربت طويلاً لانهائهم، ثم تحول تلك البلدان الى أكثرها عدواة وكراهية لأميركا.  
 
وهكذا نرى الهيبة الأميركية، بكل ما شكلته خلال القرنين الماضيين، منبصمة في وعي البشر، تتمرغ في مستنقعات جرائم الحرب، والهيمنة المغرورة، والصراعات التي لا تنتهي. ونشهد القيم الأميركية التي شكلت مناراً لناشدي الحرية والعدالة والرخاء في البلاد المغلولة والمسحوقة والمحرومة، تفشل في اختبارات الديموقراطية والإنصاف والتنمية.  
 
فشل الأنموذج 
ولعل الأحداث الأخيرة توضح المستوى الذي انحدرت إليه العلاقات المجتمعية، والنزاهة السياسية، والإدارة الحكومية. فالانتخابات الرئاسية كشفت هشاشة البنية الهيكلية للنظام الديموقراطي التي انحازت الى المرشح الحزبي المؤدلج، والمسرحي المفوه، المدعوم من جماعات الضغط والإعلام المتحيز. ولم تنتج إلا حزبين يمثلان اليسار واليمين، ويسيطران على الساحة السياسية ومخرجاتها.  
وفضحت الصراعات الطائفية والإيديولوجية والسياسية بين مكونات المجتمع أبشع وجه للعنصرية والتعصب والتحزب. وأظهرت إدارة المؤسسة الأمنية للاضطرابات الأهلية ضعف المفاهيم والإجراءات المتبعة. وفضح اسلوب مواجهة الأجهزة الاتحادية والولايات لاستحقاقات وتداعيات جائحة كورونا الخلل الفادح في التركيبة الفدرالية. وأظهر تعامل المؤسسات التشريعية والقضائية والتنفيذية مع الصراعات الحزبية إشكالات دستورية وتنظيمية وإدارية فادحة. وجاءت أخيراً أخطاء الإدارات الاستخبارية والخارجية والعسكرية خلال الانسحاب من افغانستان وفي سياسة التعامل مع الشركاء والحلفاء، المنافسين والأعداء، لتضع المسمار الأخير في هيكل المعبد الأميركي العظيم.    
 
 
 
الميزان المائل 
واليوم تنسحب اميركا مهزومة من أفغانستان، وغداً قد تخرج من العراق وسوريا، ومن يدري بعده، فقد تغادر أوروبا التي فقدت ايمانها وثقتها بالمظلة الحمائية الأميركية، وكذا الخليج وآسيا وأفريقيا بعد أن رأى الحلفاء كيف تبيع في ساعة احلاف وثقت في عشرات السنين، وتسلمهم الى مقصلة الأعداء من دون أن يرمش لها عين، أو يعتذر لها لسان.  
 
وفي المقابل، تبني أوروبا جيشها الموحد، والصين جيشها العظيم، وروسيات رسانتها النووية، وتتلاقى البلدان على طريق الحرير والطوق البحري الممتد من بكين الى عواصم وموانئ العالم القديم. وفيما يتهاوى النظام العالمي السابق، الذي صممته وجمعت العالم عليه واشنطن، ينشأ اليوم على أرض ممتدة عبر القارات نظام جماعي جديد، يقوم على احترام خصوصية أنظمة الحكم وسيادة البلدان وثقافة الشعوب. مع احترام حقوق الانسان والمرأة والطفل واصحاب الاعاقات والاقليات والطوائف، وكافة الأنظمة والقوانين الدولية المتوافق عليها.  
 
خيارات اميركا 
الثقة تبنى في سنين وتهدم في ساعات. وثقة العالم في البيت الأبيض والنظام الأميركي، واعجاب الجماهير بالثقافة الأمريكية وأسلوب المعيشة يتعرضان اليوم لأشد الامتحانات صعوبة منذ تحقق الحلم الانساني على الأرض الجديدة، واستقبال المهاجرين الحالمين من كافة أنحاء المعمورة، وتصدير الأنموذج الأكثر جاذبية للدولة والمجتمع وجودة الحياة. ذلك أن مواصلة الساسة والاعلاميين الأمريكيين التعالي على العالم والتباهي بالتجربة بخاصة بعد تكشف عوراتها، والأصرار على فرضها على الآخرين، كنظام صالح لكل مكان وزمان، بات، أكثر من أي وقت مضى، مثار السخط والسخرية وردود الفعل القاسية.  
 
وأميركا اليوم أمام خيارين، إما أن تتوارى هيبتها وتتلاشى قوتها وتنضم الى العالم الجديد، كشريك استراتيجي كبير، لا كقيادة مهيمنة مستكبرة. أو أن تعود الى مرتكزات حضارتها التي سادت بها الأمم، العلم، والعطاء، والأمل، وتشارك بقية العالم كأخ أكبر، ملهم ومعلم، داعم وحامٍ، حكيم وسخي. أما الخيار المدمر فهو تجاهل المستجدات والدروس، ومواصلة سياسات أثببت فشلها، وتكرار تجارب أوقعتها في مواجهة مع الحكومات والشعوب، والاستمرار في طريق بدأ بأحداث أيلول (سبتمبر) ولم ينتهِ بهزيمة أفغانسان. 
 
@kbatarfi 
 
 
 
  
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم