إعلان

اللبنانيّون المتناحرون ووئام الصِّهْرَين!

المصدر: النهار العربي
فارس خشان
فارس خشان
الرئيس اللبناني ميشال عون ورئيس الحكومة المكلف نجيب ميقاتي
الرئيس اللبناني ميشال عون ورئيس الحكومة المكلف نجيب ميقاتي
A+ A-
 
لم ينفِ أحد من المعنيين الأنباء التي تحدّثت عن دخول قنصل لبنان الفخري في موناكو مصطفى الصلح على خط الوساطة بين رئيس الحكومة المكلّف نجيب ميقاتي، من جهة، ورئيس "التيار الوطني الحر" جبران باسيل، من جهة أخرى، في محاولة لحلحلة العقد التي تحول دون ولادة الحكومة اللبنانية المنتظرة، على صفيح ملتهب، منذ ما يقارب ثلاثة عشر شهراً.

والصلح، رجل أعمال لبناني ناجح، يشغل مناصب قيادية في عدد من شركات مجموعة ميقاتي في العالم، وهو صهر طه، الشقيق الأكبر للرئيس ميقاتي، المعروف بنشاطه الفاعل جداً في الكواليس.

ولكنّ دخول الصلح على خط الوساطة بين الرئيس المكلّف وصهر رئيس الجمهورية، لا علاقة له، مطلقاً، بما يتمتع به من صفات حميدة ومحمودة، بل هو مرتبط ارتباطاً وثيقاً بعلاقة متينة تجمعه بباسيل شخصياً، "فهما أكثر من صديقين".

وهذا يعني أنّ واحداً من أكثر المؤثّرين في بيت الرئيس ميقاتي، العضو البارز في نادي رؤساء الحكومات السابقين، مقرّب الى "حد المونة" من باسيل الذي تدور المعارك الحامية بينه وبين هذا النادي.

وليس في ذلك ما يستدعي الاستهجان، لأنّ انقطاع العلاقات بين المختلفين سياسياً هو "أبغض الحلال"، ولا يصح إلّا في حالات استثنائية جداً.

وميقاتي في ذلك ليس استثناءً، فكل البيوت السياسية فيها مؤثّرون يقيمون علاقات ممتازة مع الخصوم المعلنين، سواء كانوا من الأقارب أو من المحازبين، كما كانت عليه، قبل سنوات، حالتا كل من نادر الحريري في "المستقبل" وملحم رياشي في "القوات اللبنانية"، على سبيل المثال لا الحصر، لأنّ اللائحة طويلة جداً.

ولكنّ قبول ميقاتي بإدخال باسيل، بواسطة "صهر العائلة"، على خط تشكيل الحكومة، لا يستقيم مع الخط الذي رسمه "نادي رؤساء الحكومة" وطبّقه، بحذافيره، الرئيس سعد الحريري، منذ تكليفه حتى اعتذاره، على اعتبار أنّ الحكومة تشكّل، حصراً، بالتفاهم بين الرئيس المكلّف من جهة، ورئيس الجمهورية، من جهة أخرى، كما لم يمل "النادي" من تكراره وترداده.

وقد سبق أن استاء الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من الحريري، عندما رفض الثاني عرضاً ورده من الخلية الدبلوماسية في قصر الأليزيه لعقد اجتماع مع باسيل في باريس، في محاولة لحلحلة العقد التي كانت تحول دون تشكيل الحكومة.

أصرّ الحريري، يومها، على أنّ الحكومة التي كان مكلّفاً بتشكيلها هي شأن يخصّه ورئيس الجمهورية ميشال عون، والعقد التي تبرز، يجب حلّها بينهما، ولا شأن لأيّ طرف ثالث بذلك.

المهم في كلّ ذلك أنّه على خلفية هذا الافتراق الذي ارتدى لبوساً دستورياً وأخذ منحى طائفياً، شنّت حملات إعلامية، وانقسم اللبنانيون بين مؤيّد لهذا ومناصر لذاك، واختلف الجار مع جاره، والشقيق مع شقيقه، وتفرّق الأحباب، واختصم الأصدقاء، ونسي كثيرون ويلاتهم، من كثرة "القد والشد".

في حمأة هذا الانقسام الأهلي بين مناصري الطبقة السياسية التي رمت خلافاتها المعلنة لبنان في جهنّم، يكتشف اللبنانيون، مرة جديدة، وعبر علاقة باسيل - الصلح، أن في بيوت زعمائمهم بابين، الأوّل مملوء بيانات تصعيدية ضد الخصوم ، والثاني مزدحم بأكثر الناس صداقة لهؤلاء الخصوم.

وهكذا، فيما الشعب يخسر وطنه، والعائلات تفتقد وئامها، والناس تشحذ أسلحتها، يجد الزعيم نفسه يكسب في الاتجاهين: الخصومة ترفده بعصب شعبي، والصداقة تحفظ مصالحه.

ولو شئنا التعمّق أكثر، في هذا المجال، لاتّضح أنّ صقوراً في التيارات والأحزاب والقوى المختلفة والمتناحرة والمتصادمة، يشكّلون في ما بينهم شركات تجارية وسياحية وخدماتية، وأن كثيراً منهم، بعد أن ينهوا حفلات الردح في وسائل الإعلام، يجتمعون ليمضوا مع بعضهم البعض "أسعد الأوقات" التي لا يتوانون عن قطعها، أحياناً، بنشر "تغريدة" عنيفة جداً.

ثمة من يعتقد أنّ اللعبة السياسية تجيز هذه الازدواجية. قد يكون الأمر كذلك، ولكن ليس في وضعية مثل الوضعية اللبنانية، حيث الخلاف السياسي يستعمل أدوات خطرة للغاية، مثل اللعب على الغرائز، واستغلال الطائفية، واستنفار العصبية، ونهب الدولة، وتفقير الشعب، وتهجير القوى الحيّة، ورهن السيادة، وتقويض المؤسسات، والتلويح بحرب أهلية.

ولم يأتِ من عدم هذا التنامي في الاستخفاف الدولي بالطبقة السياسية اللبنانية، والسعي الى إيجاد حلول للأزمة اللبنانية المتفاقمة، بالاتفاق مع قوى إقليمية، فما يتم إيراده، على سبيل المثال في هذه المقالة، متوافر الكثير منه، وبالتفاصيل المملّة، في رسائل السفراء وتقارير المخابرات.

على أيّ حال، إنّ هذه الازدواجية في العمل السياسي، حيث يتناقض المعلن مع المضمر، لم تأتِ حتى تاريخه بأيّ نفع، لا بل إنها زادت "طين" الحكومة "بلّة"، ذلك أنّ التشكيلات الوزارية المسرّبة، وبفعل "هشاشة" الأسماء التي حازت "التوافق"، أفقدت الحكومة العتيدة - إن وُجدت - الزّخم المطلوب منها، في وقت بدأ كثير من الناس يبادلون "الثّعلبة" السياسية بفائض من القرف.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم