إعلان

"إخوان" تونس و"اغتيال" قيس سعيد

المصدر: النهار العربي
عمرو فاروق
قيس سعيد
قيس سعيد
A+ A-
 
الكثير من الفرضيات والتحليلات البحثية تشير بقوة إلى حتمة المواجهة المسلحة والإتجاه للعنف من قبل "حركة النهضة" التونسية، في ظل القرارات الأخيرة للرئيس قيس سعيد، والتي من شأنها تهميش التنظيم الإخواني وعزله تماماً، وإخراجه عن معادلة الحكم والسياسة.
 
منهجية الإخوان في التعامل مع الأزمات التي تحيط بجدران المكون التنظيمي وأهدافه في عمق المجتمعات العربية، تتشابه بشكل كبير تاريخياً وسياسياً في ردها على خصومها ومناهضيها، ومعاقبتهم بالإغتيال المباشر، بيد عناصرها أو بأيدي وكالائها من جماعات العنف المسلح الذين صنعوا على أعينها.
 
 مواقف الرئيس التونسي قيس سعيد لن تمر مرور الكرام بالنسبة الى قيادات الإخوان، لا سيما أن زعيم "حركة النهضة" راشد الغنوشي، من الكوادر الفاعلة في التنظيم الدولي، وتربطه علاقات وثيقة بقيادات تنظيم "القاعدة" وحركة "طالبان" (الناشطة حالياً بقوة)،منذ الحرب الأفغانية التي دعمتها ومولتها جماعة الإخوان عبر منظمة "الإغاثة الإسلامية"، من خلال دورها في جمع أموال الصداقات والتبرعات من مسلمي أوروبا والمنطقة العربية.
 
"سيلجأون إلى العنف كلما ضاق عليهم الخناق"، هكذا وصف المعارض التونسي الراحل شكري بلعيد، ممارسات "النهضة" الإخوانية، قبل اغتياله، فلم تكن التهديات التي حملتها تصريحات الغنوشي لصحيفة "كورياري ديلا سيرا" الإيطالية، بتصعيد الإرهاب، مجرد عبث، لكنها تأتي من قناعة فكرية ومذهبية، وتمثل عقيدة راسخة في أدبيات جماعة الإخوان، في ظل امتلاكهم وحدة مسلحة لتنفيذ المهام الخاصة يمكنها بسهولة تنفيذ مخطط اغتيال الرئيس التونسي قيس سعيد، العدو الأول لدراويش حسن البنا وسيد قطب.
 
تغلغلت "حركة النهضة" الإخوانية فعلياً داخل مؤسسات الدولة التونسية، عبر "جهاز  سري" منذ منتصف سبعينات القرن الماضي، وتشكل من كيان عسكري، وكيان أمني، وكيان استخباري معني بجمع المعلومات، ووحدة لتنفيذ المهام الخاصة، الى جانب وحدات إعلامية وبحثية معنية بتقديم المشورة العلمية لدوائر اتخاذ القرار داخل الحركة الإخوانية، وفقاً للوثائق المسربة.
 
تغليف الإخوان للخلافات السياسية بإطار ديني، ووصفها بمعركة بين الإيمان والكفر، وبين الإسلام والعلمانية، وضعا الأزمة في خانة المواجهة المسلحة المباشرة على مدار التاريخ، فالكثير من عمليات الإغتيال المسلح شاهدة على عنف الإخوان ضد الرموز السياسية والعسكرية، ابتداءً من القاضي أحمد الخازندار، والنقراشي باشا رئيس وزراء مصر، ومحاولة اغتيال الرئيس جمال عبد الناصر، ومباركتهم اغتيال الرئيس انور السادات، فضلاً عن محاولات اغتيال الرئيس حسني مبارك على يد حلفائهم، ومحاولة اغتيال الرئيس الحبيب بورقيبة، مررواً باغتيال شكري بلعيد ومحمد البراهمي، واغتيال النائب العام المصري المستشار هشام بركات،انتهاء بمحاولة اغتيال الرئيس عبد الفتاح السيسي مرات عدة عقب إطاحتهم من الحكم في 30 حزيران (يونيو) 2013.
 
ترتبط "حركة النهضة" بعدد من الجماعات النشطة والمحسوبة على تنظيم "القاعدة"، أهمها جماعة "أنصار الشريعة"، والتي انتمى أغلب قياداتها الى تنظيم "داعش"، فيما بعد، فضلاً عن كتيبة "عقبة بن نافع"،  التابعة لتنظيم "القاعدة" في بلاد المغرب العربي، وتضم عناصر تونسية وجزائرية، وتتمركز  على الجبال الحدودية بين تونس والجزائر.   
 
توظيف القوة واستخدامها ركنان أصيلان في منهجية الإخوان وعقيدتهم. يقول المؤسس الأول للتنظيم حسن البنا، في صدر مجلة "النذير"، تحت عنوان"السيف في الإسلام": "وما كانت القوة إلا كالدواء المر الذي تحمل عليه الإنسانية العابثة المتهالكة حملاً ليرد جماحها ويكسر جبروتها وطغيانها، وهكذا نظرية السيف في الإسلام، فلم يكن السيف في يد المسلم إلا كالمشرط في يد الجراح لحسم الداء الإجتماعي".
 
القيادي البارز  في "حركة النهضة"،منصف بن سالم، الذي تولى منصب وزير التعليم العالي بعد الثورة، كشف الكثير من أسرار "الجهاز السري"، في كتابه "سنوات الجمر"، ويقول عن محاولتهم اغتيال الرئيس بورقيبة عام 1987: "بما أن السلطة عازمة على استئصال الحركة الإسلامية، فإن السبيل الوحيد لإنقاذ البلاد هو مسك حماسة الشباب وتوجيهها توجيها محكماً رصيناً قصد إجبار السلطة على تراجعها، أو تغيير رأس النظام بأي وسيلة كانت، بما في ذلك الوسائل الأمنية والعسكرية التي تتاح لنا". 
 
ويضيف القيادي في "حركة النهضة": "أول عمل قمنا به وضع عناصرنا في المواقع الحساسة ليكونوا في أماكن التنفيذ، ثم أحصينا ما لنا من أدوات عمل: دبابات، طائرات، ناقلات جنود، مخازن أسلحة، ذخيرة، قاعات عمليات، هواتف، أجهزة اتصال لا سلكي، مواقع اتصال الوزارات الهامة والرئاسة، الإذاعة والتلفزة، شركة الكهرباء، وتمّ جلب 500 مسدس غازي للغرض".
 
وعن دوره في الجهاز السري يروي بن سالم، قائلاً: "أسسنا لجانا مختصة تعمل كخلية النحل ليلا نهار، من دون كلل أو ملل، حين تم جمع رؤساء اللجان، وقمنا بتقييم الإمكانات وبمسح لكامل تراب البلاد، وما لنا وما يمكن أن يكون ضدنا، ثم اتخذنا قراراً لا يمكن التراجع عنه: بورقيبة لن يحكم بعد 7/11/1987"، مشيراً إلى الانقلاب الذي كان الجهاز السري ينوي تنفيذه قبل أن يعلم بذلك الجنرال زين العابدين بن علي، رئيس الوزراء آنذاك، ويستبقه بانقلاب أبيض منعا للإصوليين من الاستحواذ على السلطة.
 
لم يتمكن الكثير من التونسيين من الإطلاع على كتاب "سنوات الجمر"، الذي اسقط النقاب عن جرائم الجهاز السري وتشكيلاته، إذ تمت مصادرته بعد أن أصرّ منصف بن سالم، على نشره من باب التفاخر  والتباهي بالأعمال السرية لجماعة الإخوان. 
كانت الأجهزة الأمنية التونسية قد ضبطت وثائق "الجهاز  السري" للإخوان، مصادفة في كانون الاول (ديسمبر) 2013، عندما ألقي القبض على منسقه مصطفى خضر،( الضابط السابق في الجيش التونسي)، وضمت تقارير وتحريات أمنية حول قيادات عاملة في الأجهزة السيادية والعسكرية، الى جانب كشفها تلقى عناصر "الجهاز السري" دورات تدريبية في مجال التجنيد والرصد الاستخباري وبناء الأمن الداخلي، تحت إشراف قيادات إخوانية في القاهرة عام 2012.
 
القوة العسكرية والأمنية تمثل تمهيداً لتحقيق فرضية"التمكين"لدى جماعة الإخوان، وليست حالة عارضة ضمن مكونات التنظيم، فهناك الكثير من الدراسات التي صدرت عن رموز الجماعة ومرجعياتها أصلت وشرعنت تشكيل الخلايا المسلحة وتوظيفها لحماية الحركة من التفكك، ومنحها المزيد من القدرة على البقاء والمواجهة أمام خصومها السياسيين والعسكريين.
 
تعد وثيقة "المسلمون والتربية العسكرية" من أخطر الوثائق التي يتم بها التأثير في عقول الشباب، داخل لجان التربية والأسر، بهدف توجيه طاقاتهم لخدمة أهداف التنظيم، وقد كتب سطورها الإخواني السوري خالد أحمد الشنتوت، وقدم لها الدكتور علي جريشة، أحد قيادات الإخوان في مصر. 
 
وثيقة "المسلمون والتربية العسكرية"، تعتبر مرجع رسمي لشباب الإخوان على فكرة التدريب المسلح، وفرضية الإيمان به، وفقاً لما طرحه خالد الشنتوت، موضحاً، "أن المسلم الذي لا يتقن استخدام المسدس والبندقية والرشاش والرمانة اليدوية، مقصر في حق نفسه وحق أمته وحق البشرية جميعاً، وسيعيش على هامش العصر في القرن الخامس عشر الهجري ومطلع الحادي والعشرين الميلادي، وعلى مؤسسات التربية في المجتمع المسلم أن تقدم التربية العسكرية لكل فرد مسلم، حتى تعود الأمة المسلمة إلى سابق عهدها في العزة والكرامة". (ص 38)
 
أكد الوثيقة أن "التربية العسكرية" هي العامل الرئيسي في تغيير المجتمعات نحو أهداف التنظيم ومخططه، وأن قضية التربية في التنظيمات الأصولية فشلت ولم تحقق أهدافها الحقيقية، نتيجة عدم اعتمادها على تطبيق "فقه الجهاد"، ما أدى إلى إنتاج أجيال ناعمة، لا تعرف شيئا عن تاريخ الجهاد والمجاهدين، وأنه لابد من تربية الأجيال الجديدة والاهتمام بها وفق مفاهيم "التربية المسلحة"، منذ المرحلة الثانوية بصورة ملزمة.
 
وأوضحت الوثيقة أنه لن يستقيم أمر هذه الأمة إلا بالعودة الى الجهاد والتربية على العمل المسلح، وأن يعيش الشباب المسلم تحت راية السيوف وظلها، وأنه لابد للدعوة الإسلامية من قوة تحميها بالعدد والسلاح، مستشهداً بما طرحه سيد قطب، في الظلال 3/1543: "إنه لا بد للإسلام من قوة ينطلق بها في الأرض لتحرير الإنسان، وأول ما تصنعه هذه القوة في حقل الدعوة أن تؤمن الذين يختارون هذه العقيدة على حريتهم في اختيارها، فلا يُصَدوا عنها بعد اعتناقها".
 
حاولت وثيقة "التربية العسكرية"، تأصيل مفاهيم الجهاد في القرآن الكريم، والأحاديث النبوية، وقصرها على القتال المسلح، والجهاد العسكري، فخاطبت الشباب الإخواني، قائلة: "وأعدوا لأعدائكم الكفار الساعين في هلاككم وإبطال دينكم كل ما تقدرون عليه من القوة العقلية والبدنية وأنواع الأسلحة ونحو ذلك، مما يعين على قتالهم فدخل في ذلك أنواع الصناعات التي تعمل فيها أصناف الأسلحة والآلات من المدافع والرشاشات والبنادق والطيارات والمراكب البرية والبحرية، والقلاع والخنادق".
 
كذلك يشير أحد منظري التنظيم الدولي، علي الصلاّبي، في كتابه  "فقه النصر والتمكين"، تحت عنوان "الإعداد الأمني"، إلى أنه "من أهم أسباب التمكين هو إنشاء الحس الأمني للأفراد العاملين منذ دخولهم في العمل الجماعي، مع ضرورة تأسيس لجان ومكاتب ومؤسسات معنية باستطلاع أخبار العدو، ومعرفة مواطن الضعف فيه، ومواقعه، ومنشآته.. وأن العمل الأمني والاستخباري في العمل الإسلامي من مظاهر القوة، حتى يكون التخطيط السليم من أسباب القوة ومظاهرها ومن أسباب التمكين".
 
وضع الصلابي توصيفاً دقيقاً لمهام عمل الأجهزة الاستخبارية التابعة للتنظيم الإخواني، أهمها التقصي والتجسس وجمع المعلومات وتحليلها والإستفادة منها، واختراق مواقع الخصوم (المؤسسات الأمنية والعسكرية إلخ…)، وبناء القدرات الأمنية للأفراد العاملين، فضلاً عن المحافظة على أقصى درجات السرية في العمل.
 
إشكالية انتهاج العمل المسلح لدى القواعد التنظيمية لجماعة الإخوان سواء في مصر أم في تونس، ترتبط بمفاهيم عقائدية إيمانية، نتيجة الإنحرافات الفكرية التي أسس لها قيادات التنظيم على مدار سنوات طويلة من العمل السري، الذي يعتبر المجتمع بيئة جاهلية، ووجب التعامل معه وفق آليات فقه "دار الكفر ودار الحرب". 

 

 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم