إعلان

عن التنمّر والحقائق الجديدة والانتخابات

المصدر: النهار العربي
غسان زقطان
غسان زقطان
من المواجهات بين المحتجين والشرطة الفلسطينية
من المواجهات بين المحتجين والشرطة الفلسطينية
A+ A-
ثمة حقائق أوضحتها مواجهات الأسابيع الأخيرة بين احتجاجات الشارع وأجهزة الأمن الفلسطينية في الضفة الغربية، حقائق كانت تتراكم في الظلال الخفيفة وأحاديث المقاهي والإشارات الساخطة أمام الحفر التي تسببها سلوكيات شريحة مستفيدة من ترهل الهيكل الوظيفي للسلطة وفساده، حفر تظهر على السطح كنتائج  معلنة ترتبت على خراب في الطبقات العميقة للهيكل، ولم يعد بالإمكان تمويهها والسيطرة على ظهورها في الشوارع على شكل استعراضات فارهة، سيارات وبيوت ومصالح وتجاوزات للقانون، أو على شكل أولاد فاسدين وتنمر اجتماعي، وإنشاء حياة جديدة مدللة ومعزولة بموازاة العيش المتعارف عليه تحت الاحتلال، حقائق مؤجلة ومسكوت عنها شعبياً لأسباب منها الاحتلال وترتيب "الأولويات"، ولكنها الآن خرجت الى الشارع، تضخمت كثيراً وتملكتها نزعة التسلط والحاجة الى تسييل مكاسبها على شكل رفاهية متنمرة، شريحة ترغب بشدة في قطف مكاسبها وإعلان انفصالها عن بقية طبقات مجتمعها، وتشغيل قطاعات من هذا المجتمع لحمايتها وحماية مصالحها.
 
شريحة طفيلية خائفة وقلقة على مكاسبها 
لم تعد الشقوق والبلاغة والثقافة الخاصة بالسلطة قادرة على تغطية رغبات هذه الشريحةأو تلبيتها، أو السيطرة على نزعة التحكم ومواصلة الحكم لديها، لقد نشأ في فقاعتها جيل جديد مختلف عن الجماعة، ومنفصل عن ثقافة المواجهة السائدة، لذلك ظهرت كجزء من منظومة السلطة، من داخلها، ومرتبطة بها عضوياً وغير قادرة أو راغبة في استعادة نشأتها أو الحوار مع ذاكرتها، اكتمل تطورها في الفقاعة، وعليها أن تدافع عن الحاجات التي تتطلبها هيأتها الجديدة.
 
سمحت المواجهة وتطرف الأدوات المستخدمة، أيضاً، بظهور تحولات أكثر عمقاً يمكن تبينها وقراءة تفاصيلها، لعل أهمها تحييد "السكان" الذين يعيشون بين الشارع وهيكل السلطة، الفصائل والأحزاب التي تتغذى على الهبات على سبيل المثال، والذين يعيشون بين السلطة والأجهزة الأمنية، مجلس الوزراء وأعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير والمنظمات الشعبية، و"المستقلين" من المستشارين والمقربين والمنتفعين والنقابات، ومعظم تلك الجيوب العائمة التي كانت تقوم بحماية الصدمة وتخفيفها، لم تعد قادرة على القيام بمهمتها، السلطة تبدو الآن بهيكلها الهش مكشوفة لغضب الشارع، المخدات لم تعد قادرة على امتصاص الغضب الذي يصل مباشرة الى الهيكل المكشوف.
 
الغضب المتراكم في الشارع الفلسطيني، الذي تصاعد بقوة إثر قرار السلطة تأجيل الانتخابات، والذي بدا كأنه إلغاء لأسباب وطنية، القدس، وربط الأمر كله بموافقة الاحتلال الإسرائيلي، القرار الذي بدّد فرصة تحويل الانتخابات مواجهة شعبية في العاصمة تمنح المواجهات القائمة، في حي الشيخ جراح وحي سلوان، طاقة متجددة وشراكة أوسع وأكثر عمقاً. الغضب القادم من تبديد فكرة التغيير والمحاسبة عبر الصناديق. هذا الغضب انفجر تماماً بعد "صفقة اللقاحات" مع الاحتلال، ثم حادثة اغتيال نزار بنات وقمع الاحتجاجات الشعبية التي تلت ذلك من قبل الأجهزة الأمنية، الأجهزة المصدومة استنفدت في اندفاعة غريبة رصيدها من الوسائل وأدوات القمع، استخدمت الحزمة كاملة في وقت قياسي. استنفدت "بنك الأهداف" ومخزونها من نظريات "المؤامرة". فشلت فشلاً مزرياً سياسة الصدمة، الضربة الكبيرة وتصعيد القمع مع تصعيد الاحتجاج، ليس واضحاً من هو صاحب السياسة أو إذا كانت هناك سياسة من هذا القبيل، ولكنه بدد سنوات طويلة من الإعداد والتأهيل والتغذية وحصل على ما يشبه تمرداً.
هدمت الجهات المتنفذة في السلطة، آخر الجسور التي تربطها بشعبها، تطاولت على الناس وقللت من شأن غضبهم وأساءت قراءة الواقع، المزاج الشعبي وحركة الإقليم والتوازنات الدولية، صعدت حملة الاعتقالات السياسية لتشمل قادة وطنيين ومثقفين وحقوقيين ومرشحين للمجلس التشريعي، مثل تيسير الزبري وعمر عساف وأبي عابودي وغسان السعدي وجهاد عبدو وآخرين، شملت الاعتقالات عائلاتهم أيضاً، خلال زمن قياسي هدمت ثقافة الحرية وحقوق المواطنة وما تبقى من المسؤولية الوطنية المناطة بها، وداست بقصد واضح على وثيقة الاستقلال والإرث الوطني للثورة الفلسطينية المعاصرة.
 
هذا التنمر على الناس والمسيرات والاعتصامات السلمية الذي تقوده مخيلة أمنية ضيقة الأفق لن ينقذها، ولن ينقذ شريحة الطفيليين التي أخرجتها المواجهات من الفقاعة.
لقد تم من دون تبصر، دفع الناس نحو اليأس. اليأس من إمكان التغيير عبر "الانتخابات". كان العامل العميق الذي دفع الشارع الى رفع شعارات من نوع "ارحل يا عباس"، بكل ما يعنيه الشعار من مخاطر حقيقية وتوجه بعينين مبصرتين نحو فوضى لن يستفيد منها سوى الاحتلال.
 
ولكن "ارحل"، في مستواه الأعمق، هو بحث شعبي في "التغيير"، التغيير الذي دفنه قرار تأجيل الانتخابات، هو  تكثيف غاضب لقناعة الناس بأن الحوار مع السلطة انتهى، ولم يبق من مخرج سوى "الانتخابات". 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم