إعلان

باسيل... والتّعويم "الموميائي"

المصدر: النهار العربي
د.مكرم رباح
د.مكرم رباح
جبران باسيل
جبران باسيل
A+ A-
 لا يزال المجتمع الدولي يعتقد أنه قادر على تحدي قواعد الفيزياء، إن لم نقل قواعد الأخلاق، عبر محاولة تعويم الطبقة السياسية اللبنانية الفاسدة، ولا سيما أحد أكبر ظواهرها، وربما الأهم، المدعو جبران باسيل رئيس "التيار الوطني الحر" وصهر رئيس الجمهورية ميشال عون.

خلال الأسبوع المنصرم، تفاءل الشعب اللبناني بمبادرة تضمنت صيغة حكومية جديدة قادرة على تحريك تشكيل الحكومة قدّمها نبيه بري، رئيس مجلس النواب و"شيخ المشرعين" و"الأستاذ" الذي غالباً ما يغلق أبواب المجلس في وجه النواب إن لم يخضعوا لانتخاب رئيس جمهورية موال لـ"حزب الله".
 
وهذه الصيغة هي مجرد شعوذة جديدة تساوي بين الأطراف المتحاصصين في عدد الحقائب (8-8-8) من دون أن يحصل أحد على الثلث المعطل. بل إن الشعوذة الحقيقية تكمن في إعطاء البطريرك الماروني بشارة الراعي الحق بتسمية وزير الداخلية الذي سيلعب - نظرياً - دوراً محورياً في الانتخابات النيابية المزمع عقدها في ربيع 2022.

 
 ونبيه بري  تمكّن عبر سنوات طويلة من خداع الناس، وأثبت عبر حنكته أو ربما قاعدته الحزبية القدرة على فرض نفسه، ولو بالقوة. لكن مع الوقت، ونتيجة كهولته السياسية، أصبحت خفة اليد هذه عاجزة عن خداع أي أحد، خصوصاً بعدما حوّل الانهيارُ الاقتصادي والسياسي المحاصصة السياسية إلى نهج مدمّرٍ ألغى كل فرص الخلاص للبنان وشعبه.

ومشكلة بري وأقرانه من الطبقة السياسية الفاسدة هي الادعاء المستمر أن فشلهم في تمرير الحكومة ينبع من اختلاف بين الرئيس المكلف سعد الحريري وجبران باسيل، في مهزلة يجاريهم فيها المجتمع الدولي وقسم ليس بقليل من اللبنانيين. الفشل في تشكيل الحكومة قد يكون مقروناً بغياب حسّ المسؤولية والأخلاق لدى الطبقة السياسية اللبنانية، لكن سببه الحقيقي يكمن في عدم رغبة "حزب الله" وأسياده الإيرانيين بالمساومة مع الغرب، برغم بدء المفاوضات غير المباشرة في العاصمة فيينا. فـ"حزب الله" لن يرخي قبضته عن رقبة اللبنانيين قبل أن يحصل على ضمانات وتنازلات أميركية.
 
 
ومبادرة بري استندت إلى إعادة تعويم جبران "ماغنيتسكي" باسيل والترويج أن فرنسا على استعداد لاستقباله في ربوعها إذا أظهر رغبة في تسهيل تشكيل الحكومة، واستعداداً للتنازل عن طرح حصوله على الثلث المعطل في حكومة تكنو سياسية يكون هو عضواً فيها.
 
حفلة التعويم هذه تبنّتها فرنسا لبرهة قبل أن تتراجع وتلغي دعوة باسيل، ليبدو الأمر برمّته وكأنه هذيان سياسي أو ربما بدعة فبركها باسيل نفسه. في كل الأحوال، إن تعويم باسيل لا يمكن أن يأتي من فرنسا ورئيسها ماكرون الذي عاملته الطبقة السياسية اللبنانية كطفل ساذج، وكذبت عليه وورطته في زواريب السياسة اللبنانية القذرة. 
 
جبران باسيل، كما رفاقه السياسيون، هو أفسدُ من أن يعوَّم، ولا سيما من قبل رئيس فرنسا غير القادر على التوسط له لرفع اسمه عن لائحة "ماغنيتسكي" للعقوبات.  وحتى إن قررت إدارة بايدن القيام برفعه، فإن ذلك لن يكون في القريب العاجل، هذا إن تمّ.
 
زيارة وزير الخارجية المصري سامح شكري بيروت وجولته بين الأطراف لا تختلف كثيراً عن محاولات تعويم باسيل، بل هي دليل على جهل الدول العربية الصديقة للواقع اللبناني. حتى ولو كان الطرف المصري يقارب مبادرته بحسن نية، فإن أي تمكين للطبقة السياسية اللبنانية المحتمية بسلاح "حزب الله" هو جريمة بحق الشعب اللبناني.
 
الأسبوع الماضي، تسلطت أنظار العالم على مصر، وانبهرت باحتفالية نقل المومياوات الملكية من المتحف الوطني إلى موقعها الجديد، في عرض أعاد الى الذاكرة عظمة الحضارة المصرية الفرعونية. ومصر العظيمة هذه لا يليق بها إعادة عرض احتفالية المومياء في شوارع بيروت عبر نقل جثث الساسة اللبنانيين المتحللة، ولو معنوياً، وزيارة فراعين الطوائف والمراهنة على يقظة ضميرهم.. فهذا رهان ساذج وطفولي مصيره الغرق في مزبلة التاريخ.  
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم