إعلان

لبنان: هل تعبّد العقوبات الفرنسيّة - الأوروبيّة الطّريق لولادة حكومة لبنانيّة جديدة؟

المصدر: النهار العربي
علي حمادة
علي حمادة
الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون ورئيس الحكومة اللبنانية المكلف سعد الحريري
الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون ورئيس الحكومة اللبنانية المكلف سعد الحريري
A+ A-
 
يوم الأربعاء الفائت كانت لوزير الخارجية الفرنسية جان إيف لودريان مداخلة في مجلس النواب الفرنسي حول الوضع في لبنان قال فيها: "سيتم اتخاذ إجراءات بحق من عرقلوا حل الأزمة في لبنان" وأشار الى "أن الأيام المقبلة ستكون مصيرية". واصفاً القوى السياسية اللبنانية بأنها "عمياء ولا تتحرك لإنقاذ البلاد على الرغم من تعهداتها".
 
أضاف "أن الأزمة اللبنانية ليست ناتجة من كارثة طبيعية بل من مسؤولين سياسيين معروفين ... وهناك أطراف سياسية في لبنان تضع مطالب تعجيزية". كان هذا في اليوم الذي قام به وزير الخارجية المصري سامح شكري بزيارة لبضع ساعات لبيروت قابل خلالها معظم القيادات اللبنانية، وعلى رأسهم رئيس الجمهورية ميشال عون، ولكنه تقصّد عدم لقاء أي مسوؤل في "حزب الله"، والأهم أنه تقصد عدم لقاء رئيس "التيار الوطني الحر " وصهر رئيس الجمهورية الوزير السابق جبران باسيل، وذلك في إشارة واضحة من المصريين الى أنهم يحمّلون هذين الطرفين مسؤولية عرقلة جهود إنقاذ لبنان. وقد كان لقاء الوزير المصري مع رئيس الجمهورية سيئاً الى حد أنه أدخل الوزير في تفاصيل الخلافات المحلية من دون أن يعد بتسهيل تشكيل الحكومة المنتظرة.
 
وكان سبق لرئيس الجمهورية أن رفض التشكيلة الحكومية التي قدّمها له الرئيس المكلف تشكيل الحكومة سعد الحريري، وانخرط في صراع سياسي معه، ما أدى الى تعطيل تشكيل الحكومة المنتظرة من كل اللبنانيين، ومن المجتمع الدولي الراغب في مد يد المساعدة للبنان. بين الموقفين الفرنسي والمصري اللذين تناغما في الآونة الأخيرة يبرز الموقف السعودي الذي أدلى به وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان في مقابلة مع محطة "سي إن إن" الأميركية حيث قال: "إن مستقبل لبنان هو بيد اللبنانيين. والرياض تأمل أن يلقي اللبنانيون والقيادة اللبنانية والهيئة السياسية اللبنانية نظرة جادة وحقيقية على الوضع الذي يمر به بلدهم، وأن يتوحّدوا في سبيل تبني إصلاحات سياسية واقتصادية حقيقية من شأنها أن تتصدى للتحديات التي يواجهها لبنان، وأن تقدم حلولاً مستدامة". أضاف: "لم يعد الوضع القائم في لبنان قابلاً للتطبيع ولا ترى المملكة بأنه من المناسب الاستمرار في دعم الوضع الحالي الذي قدم لاعباً غير حكومي، أي "حزب الله"، يتمتع بحكم الأمر الواقع، وحق الفيتو على كل ما يجري في البلد، ويسيطر على بنيته التحتية الرئيسية، فيما لا تفعل الطبقة السياسية سوى القليل للتعامل مع التحديات التي يواجهها الشعب اللبناني، سواء كان فساداً أو سوء إدارة أو مشكلات أخرى". بهذه المواقف أوضحت الممكلة العربية السعودية أنها لن تكون طرفاً داعماً لاستمرار الوضع القائم حالياً، ولا سيما أن الملف المالي والاقتصادي اللبناني الكارثي لا يمكن فصله عن مسألة القرار الوطني وسيادة الدولة، التي تتعرض لتهديد دائم من تنظيم مثل "حزب الله"! أكثر من ذلك، بدا أن المبادرة الفرنسية لإنقاذ لبنان التي أطلقها الرئيس إيمانويل ماكرون في مطلع شهر أيلول (سبتمبر) 2020، قد تعرّضت لتشوّهات كثيرة، لا سيما إن انطلقت على أسس معينة، ومع مرور الوقت تعرضت للكثير من التحولات. فبعدما كانت المبادرة تشير الى أنه يجب تشكيل حكومة تكنوقراط مستقلة غير سياسية، ومن غير الحزبيين، تكون مصغّرة، قبل الفرنسيون بإدخال العنصر السياسي الى لعبة تشكيل الحكومة من خلال القبول بدور أساسي للأحزاب السياسية المتهمة أصلاً بأنها سبب الأزمة اللبنانية في اختيار الوزراء في الحكومة. وقد جرى إغراق المبادرة الفرنسية بالخلافات اللبنانية المحلية، بحيث أضحى المسؤولون الفرنسيون المعنيون بتنفيذ المبادرة الإنقاذية الفرنسية، يتعاملون مع الملف اللبناني على طريقة "شيوخ الصلح" في القرى والدساكر!
 
بالعودة الى مسألة العقوبات الأوروبية على القيادات السياسية اللبنانية المسوؤلة أولاً عن تدهور أوضاع لبنان الى هذا الحد من خلال الفساد المستشري، وثانياً من خلال عرقلة تشكيل الحكومة المنشودة، يمكن القول إن انطلاق العقوبات صار مسألة ساعات أو أيام معدودة قبل أن تصدر الحزمة الأولى التي سيشترك فيها الاتحاد الأوروبي عبر حظر دخول مجموعة أولى من الأسماء الى "فضاء شنغن" في الاتحاد الأوروبي، وهم الذين تتهمهم أوروبا بعرقلة تشكيل الحكومة. ثم ستتوسع الحلقة لتشمل أسماء أخرى. في غضون ذلك، ستواصل فرنسا وشركاؤها الأوروبيون العمل على ملفات عدد من الشخصيات السياسية ورجال الأعمال المرتبطين بالقوى السياسية اللبنانية في إطار التحقيق في تورط هؤلاء في الفساد، من خلال أصولهم في أوروبا، وهذا مطلب من المجتمع المدني اللبناني الذي نشر عدد من الأسماء اللامعة فيه رسالة مفتوحة الى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في صحيفة "لوموند" الفرنسية تطالب فيها بتجميد أصول السياسيين اللبنانيين في فرنسا وأوروبا، على قاعدة أن هذه الأصول (أملاك عقارية وحسابات مصرفية) هي في معظمها ناتجة من أعمال فساد في لبنان.
 
بناءً على ما تقدم، وعلى الرغم من أن فرنسا تعاني من عدم قدرتها على إحياء مبادرتها من جديد، وعلى الرغم من أن الموقف الفرنسي الأساسي كان يتعارض مع الموقف الأميركي في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب حول إصدار عقوبات بحق القيادات اللبنانية، فإن باريس تعود اليوم الى تبني موقف شبيه بموقف إدارة ترامب، وقررت إطلاق حزمة عقوبات بحق عدد من القيادات اللبنانية، بداية في محيط رئيس الجمهورية ميشال عون المتّهم بعرقلة تشكيل الحكومة الجديدة، ثم قد تمتد لتشمل قيادات أخرى وعدداً من رجال الأعمال. فهل تعبّد العقوبات الفرنسية – الأوروبية طريق الحكومة الجديدة؟
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم