إعلان

عمامة السّيخ وتقديس البقر وتكنولوجيا الفضاء... مرحباً بكم في الهند

المصدر: النهار العربي
عادل بن حمزة
عادل بن حمزة
الفيضانات مشهد اعتيادي في الهند
الفيضانات مشهد اعتيادي في الهند
A+ A-
شكّلت الهند، على الدوام، حالة فريدة من بين دول العالم، دولة غريبة يشدك تنوعها الثقافي الديني والعرقي على مساحة كبيرة بمنطق الجغرافيا، لكنها ليست أكبر بمنطق الديموغرافيا، فعدد السكان يتجاوز المليار نسمة.. في الطريق بعد الاستقلال عن الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، ترجلت كل من باكستان وبنغلادش (هذه الأخيرة انفصلت عن باكستان في ما بعد) عن الوطن الأم، لكن ذلك لم يمنع التزايد السكاني الهائل الذي عرفته البلاد، هذه الدولة تجعلك تطرح كثيراً من الأسئلة عن مفهوم الدولة الأمة، وكيف تقوم وحدة الأمم، فهذا الخليط من اللغات والأجناس والعقائد.. هل بإمكانه أن يصنع حقاً وطناً بلغ عنان الفضاء وامتلك ناصية العلم والتكنلوجيا وينام على آلاف القنابل النووية...؟

في الهند فقط تجتمع تكنولوجيا الفضاء، وعمامة السيخ وتقديس البقر، وحدها الهند تستطيع أن تجمع هذه المتناقضات في المكان ذاته، بل إن عمامة السيخي ترافقه، سواء كان شرطياً في وسط لندن، أم عضواً في البرلمان الكندي، أم بائع بيتزا في نابولي، مهما تعددت جنسياتهم المكتسبة، فإنهم يظلون أوفياء للعقيدة السيخية، علماً أنها لا تشكل سوى أقلية دينية هناك، ومع ذلك تصبح علامة للهند... 

 نهر الغانج يعدّ من بين أكبر الأنهار في الهند، وهو ليس مجرد نهر للملاحة أو للري والشرب، حيث يعيش 400 مليون نسمة على ضفتيه، بل هو نهر مقدس يحج إليه الملايين للاغتسال بنية الشفاء من كثير من الأمراض، وبخاصة من الذنوب... المفارقة هي أن نهر الغانج يعدّ واحداً من بين أكثر الأنهار تلوثاً، ليس في الهند فقط، بل في العالم ككل، إنه أشبه بزيت قنديل السيدة زينب في رواية "قنديل أم هاشم" ليحيى حقي، عندما بحث بطل الرواية عن المصالحة بين الخرافة والعلم، وهو ما يصنعه يومياً كثير من الهنود ليجعلوا بلادهم تنمو وتتطور وسط الأمم.

 الهند هي أكبر ديموقراطية في العالم وهي كذلك منذ الاستقلال عن بريطانيا، إذ تعرف الهند وجود مجال سياسي ومدني حيوي، الديموقراطية الهندية لم تمنع الهند من كل مظاهر البؤس والتخلف والفقر وبعض مظاهر التطرف والتعصب الطائفي والديني التي توسعت في السنوات الأخيرة بسبب المد التصاعدي للشعبوية في العالم، كثير من شوارع مومباي ونيودلهي، لا تختلف عن شوارع أكثر الدول فقراً في أفريقيا جنوب الصحراء، كما أن الديموقراطية الهندية لم تمنع الأحقاد العرقية والإثنية والدينية التي لا تنتهي إلا لتبدأ بحدة أكثر وأكبر، لكنها استطاعت كتمها ووضعها في الزاوية وجعلها بلا تأثير كبير إلى حدود اليوم، فاسحة المجال لثقافة جديدة تخترق ببطء وثبات بنية هذا الفسيفساء الذي يمثله المجتمع الهندي.. ولعل ما تنعم به الهند من استقرار وسلم أهلي في ظل وجود خليط البارود هذا، يكفي الديموقراطية في الهند فخراً...   

قبل سنوات أصبحت الهند المكتب الخلفي لعدد كبير من المؤسسات الأميركية، وفي جميع القطاعات، من المصارف إلى "الحالة المدنية" فموزع الهاتف، إذ فقدت أميركا لفائدة الهند أزيد من 500 ألف منصب شغل في عشر سنوات الأخيرة في قطاع ترحيل الخدمات، يساعدها في ذلك وجود أزيد من 300 مليون من السكان يتقنون اللغة الإنكليزية، بل تم بناء مدارس لتدريس مختلف أنواع نطق اللغة الإنكليزية، كل ذلك بأجور متواضعة لا تغطي حتى نصف أسبوع من الاستهلاك بالنسبة الى مواطن أميركي.

الهند أيضاً هي موطن حكايات ومسار رجال ونساء بصموا تاريخ بلادهم في مجالات مختلفة، من غاندي إلى عائلة مهيندرا، ألا ‏يكفي أن نعلم أن الهند هي من اخترعت الـ USB، وأن هنوداً تولوا رئاسة عمالقة التكنولوجيا مثل غوغل، ومايكروسوفت وماستر كارد... ترى هل حدث ذلك كله بالصدفة؟ وهل تستطيع بلداننا التي تتخبط في المناطقية والقبلية والطائفية وتجعل منها عطباً بنيوياً، أن تقتدي بالهند، وتتحوّل أوطاناً تسع كل الاختلافات والخلافات في زمن صعب؟
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم