إعلان

طبيعة صامتة

المصدر: النهار العربي
غسان زقطان
غسان زقطان
 المقاطعة في رام الله
المقاطعة في رام الله
A+ A-
عادة ما يبدأ الأمر من هناك، السياسة والاقتصاد والقضاء وقضايا الشأن العام، من توزيع اللقاحات وحتى حجب التمويل عن مؤسسة مثل "مؤسسة ياسر عرفات" وإقالة مؤسسها، أو إعلان موعد لإجراء انتخابات عامة، مثل طلقة تنوير يمكن مشاهدة القرار بوضوح وهو يصعد من مبنى "المقاطعة" فوق أسطح البيوت وتلال رام الله.
 
 المبنى كان مقر الحاكم العسكري وضباط الإدارة المدنية للاحتلال قبل مجيء السلطة، الطبقات السفلى كانت تستخدم سجناً لتوقيف المقاومين وغرفاً للتحقيق، في الطبقة الثانية التي أعيد بناؤها بعد حصار ياسر عرفات، مكتب رئيس السلطة الوطنية، على مسافة قصيرة من كرسي الرئاسة يقع ضريح ياسر عرفات، يمكن الوصول الى الضريح من الشارع مباشرة، خلف الضريح يقع متحف عرفات، حيث يصل زوار وتقف حافلات سياحية تحمل بعضها أرقام "إسرائيل" الصفراء، فلسطينيون من داخل الخط الأخضر ومن القدس وطلاب مدارس من شمال الضفة وجنوبها.
 
 في إحدى قاعات المقاطعة تجتمع عادة، اللجنة المركزية لحركة "فتح"، وفي قاعة أوسع يلتقي أعضاء المجلس الثوري للحركة، وهناك يجتمع المجلس المركزي للمنظمة الذي تجري دعوته قبل الكوارث أو خلالها بحسب نوع الكارثة، وهو مجلس متحمس ويعتمد قرارات متحمسة لا ينظر اليها بجدية، ويصل "مستقلون" يشكلون "فتح" الخاصة بالرئيس.
 
 "فتح" كلها تتحرك في تلك المساحة المقسمة بين الضريح والمقاطعة، بما فيها ياسر عرفات الذي يمكن تتبع حياته في استعادة طويلة تبدأ من الضريح، من حقيقة رحيله التي تبدو مؤكدة بسبب الضريح والحرس والزوار، وتتواصل مع الزائر/ة نحو المتحف وأدراجه الصاعدة حتى سريره العسكري الضيق الملاصق لغرفة المرافقين، حيث جهاز تلفزيون صغير مضاء على البياض.
 
يصعب التفريق في تلك المساحة وبين ممراتها وقاعاتها، وصولاً الى مسجد الرئاسة، حيث يواصل مستشار للرئيس وقاضي القضاة الشرعيين إلقاء مواعظه، ومعارضة قانون حماية الأسرة، والدعوة للرئيس والدعاء على خصومه من على منبر المسجد وشاشة الفضائية الرسمية.
 
 يصعب التفريق  بين "فتح" حركة التحرير الوطنية، ومنظمة التحرير الائتلاف الذي يضم الفصائل والأحزاب الوطنية، و"فتح المستقلين"، وبين "السلطة الوطنية" الذراع السياسية للمنظمة في الضفة وغزة. 
 
يتداخل كل شيء هناك، الأشخاص والقرارات والقوانين الموظفة والمراسيم والتعيينات المدروسة وأدعية قاضي القضاة، ولكنها، الأشياء، تعود من كل الزوايا والممرات لتلتقي من جديد الى طاولة الرئيس الذي يجمع بين يديه رئاسة السلطة الوطنية، ورئاسة اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، ورئاسة اللجنة المركزية لحركة "فتح". 
لا شيء يمكن العثور عليه أو البحث عنه خارج صلاحيات الرئاسات الثلاث، صلاحيات تضاعف نفوذها مع غياب المؤسسة التشريعية.
 
توجد حكومة، وتمكن مشاهدة لافتتها في حي الماصيون، الجهة المقابلة من رام الله، هناك يمكن العثور على رئيس وزراء ووزراء وحراسات اختارتها المقاطعة، وتمكن ملاحظة "رئيس الوزراء" الذي لم يكن شريكاً كاملاً في عملية الاختيار، وهو يواصل تبديد طاقته على محاولة التعايش مع الوزراء الذين حصل عليهم.
 
تحت هذا التكوين الراسخ لا شيء تقريباً، يتراكم الفراغ حتى الشارع حيث يمشي الناس ويبحثون عن فرصة عمل، أو جلسة محاكمة يمكن الوثوق بنزاهتها، أو قروض بفوائد ميسرة، أو إمكان معقد وغير مأمون للحصول على طعم في مراكز وزارة الصحة أو حواجز العمال على الخط الأخضر لمواجهة الوباء، أو صرف حقوق متأخرة... وطرائق مبتكرة للعيش.
 
هناك ما يشير في هذا الفراغ بين المقاطعة والضريح والشارع الى مصائر ضائعة، تضاعف ضياعها وتراكم خلال الـ15 عاماً الأخيرة.
 
ثنائية "المقاطعة" و"الضريح"، تمنح عمقاً للمخيلة. مخيلة تذهب بعيداً حيث يعبر "عرفات"، في متوالية تتجدد في كل مرة، بمشيته السريعة ولغة جسده المكشوفة ولهجته المصرية، من المدخل الجانبي للضريح، ويصعد أدراج المتحف نحو غرفته ليستلقي في سريره العسكري في الطابق الأخير، بينما يتضاعف الفراغ ويتكثف في الجانب الآخر، ما يمنح المشهد برمّته تلك اللمسة التي تتركها لوحة كلاسيكية لطبيعة صامتة.
خارج الأسوار وجدران المبنى تستمر الحياة ويواصل الناس سعيهم الذي لا يصمت.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم