إعلان

الكنيسة والسياسة!

المصدر: النهار العربي
محمد الرميحي
محمد الرميحي
البطريرك الماروني بشارة الراعي
البطريرك الماروني بشارة الراعي
A+ A-
يبدو أن العقل البشري قد دار دورة كاملة، فبعد أن نشط أهل الفكر في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر في أوروبا في رفع وتتبع تنفيذ شعار "فصل الكنيسة عن السياسة" لما لاقته البشرية من تدخلات أوقفت أو عطّلت التقدم البشري في السير الى آفاق أرحب بسبب مصالح أهل الكنيسة وقتها وتجمّد أفكارهم التي ظلوا ينقلونها جيلاً بعد جيل وهي تأخذ في التكلس والبعد من العقل السوي... هذه الكنيسة تعود لتقود السياسة من جديد ولكن بثوب أكثر تقدمية وأكثر فهماً للعصر وأكثر صلاحاً من السياسيين الذين يجب أن يرفع شعار عبثي أمامهم يقول: إبعدوا السياسيين عن السياسة؟
 
المشهد يتجلى في مكانين، الأول زيارة البابا فرنسيس خليفة بطرس وأسقف روما وسيد دولة الفاتيكان الى الجمهورية العراقية المنكوبة بسياسييها، ويجول في هذا البلد لأيام من جنوبه الى شماله حاملاً راية المحبة والدعوة الى التسامح والحوار ومستقبلاً برحابة من الجميع الذين انهكتهم الحروب والتدخلات الأجنبية وشتتت جمعهم واستنزفت اقتصادهم وقضت على شبابهم، على أمل أن ينهض العراق ويداوي جروحه البليغة ويصحب العالم الذي يتقدم بسرعة وثبات الى الحضارة الحديثة.
 
جزء كبير مما حل بالعراق كانت أسبابها، سياسية في ثوب مذهبي - ديني، وهنا المفارقة، فالمشكلة إذاً ليست في المذهب أو الدين... المشكلة الأساس في السياسيين الذين يختطفون مقولات المذاهب والأديان ويحولونها الى "حصان طروادة" يدخلون به الى عقول الناس ويغررون البسطاء ويغرون أهل الطموحات لمنصب هنا أو مصلحة شخصية هناك. ما أحدثه البابا في العراق يسعى البطريرك الماروني في الكيان الثاني لبنان، بشارة بطرس الراعي أن يفعله في وطنه أيضاً المجروح جرحاً بليغاً في اقتصاده وفي سياساته وفي نسيجه الاجتماعي ودوره العربي والعالمي.
 
ما يتقاطع بين البابا والبطريرك هو نوع من نسيج ما يعتمدان عليه، أي الدعوة الدينية، فعلى أساس تلك الدعوة "المذهبية" يذهب جزء من شيعة العراق للتطلع الى الخارج وبالتحديد الجوار... بعضهم قابل ومتطوع للذهاب في ذلك الطريق، وبعضهم الآخر مجبر بطريقة أو أخرى على المسايرة طلباً للأمان والبعد من المشكلات أو تحقيقاً لمصلحة. هذا ما يحدث أيضاً في لبنان، فجزء من لبنان المسيحي وبشعار ضبابي هو الدفاع عن مسحييي لبنان، يأخذ لبنان كله الى التهلكة من خلال تحالف غير متوازن مع مجموعة مسلحة تقول علناً لا سراً أن ولاءها خارج لبنان وأن لبنان ممراً وليس مقراً لها، وتحارب بلبنانيين في أماكن بعيدة ليس للبنان مصلحة لا آنية ولا مستقبلية فيه ويتضور اللبناني البسيط من الجوع والفاقة.
 
 
الصورة أمامنا إذاً واضحة في أن المشكلة التي نواجه في مطلع القرن الحادي والعشرين بعد أكثر من قرنين من صيحات فصل السياسة عن الدين التي ضجت بها أوروبا في عصر التنوير، تعود البشرية من جديد للقول إن العيب ليس في الدين أو المذهب بحد ذاته، وإنما في الاستخدام البشري لهذه المقولات وخلط الصالح منها بالطالح في فضاء اجتماعي وسياسي منزوع عنه المناعة المعرفية واستخدام العقل في النظر إلى الظواهر بوصفها مصدراً أساسياً للمعرفة وتحقيق المصلحة الوطنية المشتركة.
 
مشروع البطريرك في لبنان هو مشروع البابا في العراق، تنويري تسامحي وقبول الآخر في الوطن على قاعدة المساواة والدعوة الى السلم الأهلي وإنقاذ الأغلبية من شرور الأقلية المتوسلة في مكان بالسلاح وفي مكان آخر بانتهازية سياسية مكشوفة تسعى الى تحقيق المصالح الشخصية البحتة وتزدري الوطن باسم الوطنية وتحط من المبادئ باسم المبادئ وباسم الدفاع عن جمهورها، في الوقت الذي نرى تفشي الجوع والعوز والسقوط الذريع للعملة الوطنية وضياع غير مسبوق وتضليل منقطع النظير واستهتار بحياة أجيال وليس جيل واحد فقط.
 
ذلك المشهد في البلدين، العراق ولبنان... في البلد الأول الرسالة كانت واضحة والخطب والتصريحات لم تجامل او تساير. لقد آن الأوان لبناء العراق مستقلاً لأهله وبأهله، وبخلاف اجتهاداتهم حول قبول التنوع والتعايش معه، فقد تجاهلت أنظمة عراقية سابقة ذلك التنوع وقررت بالقوة صهر ما لا يُصهر في بوتقة واحدة، والبشر غير قابلين للصهر، وما يحدث في لبنان هو أيضاً التنوع والذي تصر مجموعة على صهره وأخذه الى مكان لا ترغب الأغلبية في الذهاب اليه، فصله عن عروبته وقطع حبال الود مع العالم وإلحاقه بحلم خرافي وغير عقلاني.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم