إعلان

​ أي إيران نصدّق؟

المصدر: النهار العربي
خيرالله خيرالله
خيرالله خيرالله
تظاهرات في إيران احتجاجاً على انقطاع مياه الشرب
تظاهرات في إيران احتجاجاً على انقطاع مياه الشرب
A+ A-
بعد جولة المفاوضات غير المباشرة الأخيرة في فيينا بين الولايات المتحدة وإيران، لم يعد معروفاً أيّ إيران يجب أن نصدّق. إيران التي تريد، وفق شروطها، اتفاقاً جديداً - قديماً في شأن ملفّها النووي، أم إيران التي تراهن على الوقت وعلى التصعيد في الوقت ذاته كي لا يكون هناك اتفاق؟.
 
في انتظار اتخاذ "الجمهوريّة الإسلاميّة" قرارها في شأن ما الذي تريده فعلاً من الولايات المتحدة، يبدو طبيعيّاً التساؤل هل تمتلك إيران القدرة على فرض شروطها على أميركا إم أنّ ليس أمامها في طبيعة الحال سوى التصعيد نظراً الى أن التصعيد يسمح لها بتصدير أزمتها الداخلية الى خارج حدودها؟.
 
الجواب الطبيعي عن مثل هذا التساؤل أن ليس أمام النظام في إيران سوى التصعيد. يدفع الى هذا التصعيد إيمان النظام الإيراني بأنّه يمتلك أوراقاًُ كثيرة في المنطقة. هل الأوراق الإيرانية أوراق ضغط بالفعل يمكن أن تؤثّر في أميركا وتجعلها تستسلم لـ"الجمهوريّة الاسلاميّة"؟.
 
يعتقد النظام الإيراني، من دون أي التفات إلى الوضع الداخلي في "الجمهوريّة الإسلاميّة"، أنّه يسيطر على العراق. الدليل على ذلك أن انتخابات أجريت في العراق في تشرين الأوّل (أكتوبر) الماضي. لكن نتائج هذه الانتخابات معلّقة نظراً الى أنّها لم تحظ َبرضا طهران. لم تكتفِ الميليشيات الموالية لإيران برفض نتائج هذه الانتخابات، بل ذهبت الى التعبير عن رفضها من طريق محاولة اغتيال رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي في السابع من تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، أي قبل شهر من الآن. فشلت تلك المحاولة التي نفّذت بواسطة طائرات مسيّرة، لكنّ إيران استطاعت عملياً تعطيل اللعبة السياسيّة في العراق والجهود التي بذلتها حكومة الكاظمي من أجل إجراء انتخابات نزيهة يعبّر الشعب من خلالها عن تطلعاته. تبيّن أن العراقيين، بأكثريتهم بمن في ذلك الشيعة، يمتلكون روحاً وطنيّة عراقيّة ويؤمنون بأن العراق هو العراق وإيران هي إيران.
 
ليست لدى العراقيين، كما ظهر من الانتخابات، حاجة الى دروس من نظام عاجز عن تصدير أيّ تجربة ناجحة الى خارج حدوده باستثناء الميليشيات المذهبيّة.
في سوريا، استطاعت إيران تغيير التركيبة السكّانية في بلد أكثرية سكانه (نحو 75 في المئة) من السنّة. ساعدها في ذلك "حزب الله"، الذي ليس سوى لواء في "الحرس الثوري" الإيراني عناصره لبنانيّة. ليس صحيحاً أن إيران تنسحب من سوريا. الصحيح أن وجودها العسكري يزداد وأن جهودها الهادفة الى تغيير التركيبة السوريّة مستمرّة يومياً على الرغم من الضربات الإسرائيلية المتكرّرة والموقف الروسي الذي يتعاطف مع إسرائيل أحياناً ويتواطأ مع "الجمهوريّة الإسلاميّة" في أحيان أخرى.
 
في لبنان، أحكمت إيران سيطرتها على البلد. صار لبنان رهينة إيرانيّة لا أكثر بعدما باتت "الجمهوريّة الإسلاميّة" تقرّر من هو رئيس الجمهوريّة الماروني في هذا البلد وما على رئيس الجمهوريّة عمله. يكفي على سبيل المثال وليس الحصر، ما فعله رئيس الجمهوريّة من أجل التغطية على كارثة تفجير مرفأ بيروت. في ظلّ النفوذ الإيراني في لبنان، لم يكن أمام رئيس الجمهوريّة ميشال عون من خيار سوى قطع الطريق على تحقيق دولي في تفجير المرفأ في الرابع من آب ( أغسطس) 2020، وذلك للحؤول دون معرفة الحقيقة ومعرفة من خزّن نيترات الأمونيوم في أحد عنابر المرفأ طوال سبع سنوات لاستخدامها في صنع براميل متفجرة في سياق الحرب على الشعب السوري!.
 
في اليمن، استطاعت إيران تحويل شمال هذا البلد، أي جزء كبير مما كان يعرف قبل الوحدة في أيّار (مايو) 1990 بالجمهورية العربيّة اليمنيّة قاعدة صواريخ إيرانيّة. تستخدم هذه القاعدة التي تحكمها ميليشيا مذهبيّة (الحوثيون) اليمن الشمالي كأرض إيرانيّة في شبه الجزيرة العربيّة. تستخدم هذه الأرض في ابتزاز دول الخليج، في مقدّمها المملكة العربيّة السعوديّة.
 
كل ما ورد أعلاه أوراق إيرانيّة. لكنّ الورقة الأهمّ التي يفتقدها النظام الإيراني هي ورقة إيران نفسها. بالأمس كانت اضطرابات منطقة الأحواز العربيّة، في معظمها، التي لم تعد تحصل على المياه. اليوم اضطرابات أصفهان التي يشكو أهلها أيضاً من نقص المياه. كلّ ما في الأمر أن النظام الإيراني فشل إيرانياً قبل أن يفشل في المنطقة حيث يستطيع التخريب والتدمير وليس البناء.
 
يستطيع النظام الإيراني متابعة جهوده من أجل الحصول على السلاح النووي. يستطيع إفشال مفاوضات فيينا، وهي مفاوضات غير مباشرة مع الإدارة الأميركيّة، محورها الملفّ النووي الإيراني. لكنّ السؤال الذي سيظلّ يطرح نفسه ما هو أفق السياسة الإيرانيّة التي لا تستطيع، حتّى، إقامة علاقات متوازنة مع بلد غير معادٍ مثل العراق؟.
 
يستحيل جعل الهروب الى خارج إيران سياسة يمكن البناء عليها. لا يمكن البناء على مثل هذه السياسة. لو كان ذلك ممكناً لكان الاتحاد السوفياتي الذي امتلك كلّ القنابل النووية التي يمكن امتلاكها وآلاف الصواريخ والطائرات والدبابات حيّاً يرزق. يكفي أن يسأل أركان النظام الإيراني أنفسهم سؤالاً واحداً، مرتبطاً بالاقتصاد، كي يكتشفوا أن كلّ ما فعلوه من العام 1979 الى الآن لا يغني عن التفكير في أن تكون إيران بلداً طبيعياً لا أكثر.
 
سيظلّ الاقتصاد التحدي الأوّل امام النظام في كلّ وقت. في غياب ما يكفي من الشجاعة لمواجهة هذا التحدي، سيلحق مزيد من الأذى بالعراق. سيحل مزيد من الخراب بسوريا ولبنان واليمن... وبإيران نفسها!
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم