إعلان

الولايات المتحدة في اليوم التالي!

المصدر: النهار العربي
محمد الرميحي
محمد الرميحي
جو بايدن ونائبته كمالا هاريس
جو بايدن ونائبته كمالا هاريس
A+ A-
على بعد 43 يوماً من الآن سيكون هناك إدارة جديدة في الولايات المتحدة، وقد عرفنا منذ اليوم معظم شخصياتها الرئيسيين، وكتبت صحف العالم عن توجهاتهم، والباب مفتوح على مصراعيه لتوقعات عديدة من خبراء وشبه خبراء عما ستفعله الإدارة الجديدة في ملفات تضخمت في الداخل والخارج. بعض الحقائق غير مختلف عليها، وهي أولاً، أن ما يحدث في البيت الأبيض وما يُتخذ من قرارات في واشنطن يؤثران في شكل كبير أو صغير على مقدرات العالم الاقتصادية والسياسية وحتى العسكرية، كما أن ساكن البيت الأبيض، خلفيته ومزاجه وشخصيته واهتمامه وربما مصالحه تؤثر في شكل ما في اتخاذ القرارات، فمن الطبيعي أن ينظر العالم بذلك الاتجاه لتبيان بورصة الحوادث.
 
الحقيقة الثانية أن أجندة الديموقراطيين في الكثير من الملفات هي غيرها للجمهوريين، والثالثة أن الديموقراطية الليبرالية كما تجسدت في الولايات المتحدة تاريخياً تمر بمنعطف صعب عرّضها ويعرّضها لتحدٍ حقيقي ويعرض مثالها في العالم للنقد والتندر. 
 
على مقلب آخر لدينا بعض الثوابت، الأول أن الولايات المتحدة بلاد مؤسسات والثانية أن هناك سقفاً من الحريات ما زال فعالاً. شخصية السيد دونالد ترامب المنتهية ولايته أثرت ربما أكثر من غيرها في تشكيل الحوادث، وفي المقابل هناك مصالح للدولة العميقة تبقى كما هي في العمق وإن اختلف التعامل معها في الشكل. السيد جو بايدن، القادم الجديد الى البيت الأبيض نشر في مجلة "الفورن أفيرز" الشهيرة في عدد أذار (مارس)- نيسان (أبريل) 2020 ما يمكن أن يُعرف على نطاق واسع انه المانيفستو الذي يفكر فيه كمشروع للحكم المقبل في الأربع سنوات في الولايات المتحدة، وفي هذا المقال المطول تفاصيل كثيرة، منها نقده لقرارات الإدارة المنتهية على انها تسامحت مع "الديكتاتوريات" في العالم، وانه يزمع العمل للدعوة الى مؤتمر لـ"الديمقراطية" تحضره الدول الديموقراطية في العالم لإنشاء تحالف من أجل نشر فكرة الديموقراطية، وهذا أمر حسن ولو فيه الكثير من المثاليات. فهل يمكن اخذاً بطريقة الحكم الأميركي في السنوات الأربع الماضية القول إن أميركا هي كما يعتقد كثيرون "قلعة الديمقراطية"؟
 
علينا أن نعود الى تصريح مهم لم تؤخذ له مساحة من التغطية وهو عندي من أهم ما قيل بعد ظهور النتائج الأولى للانتخابات الأخيرة، وهو تصريح للسيدة سوزان رايس، وهي سيدة مشهود لها بفعاليتها السياسية وكانت مندوبة الولايات المتحدة في منظمة الأمم المتحدة في الفترة الأولى لولاية السيد باراك أوباما، ومن ثم مستشارة الأمن القومي بعد ذلك. في التصريح المذكور قالت: "علينا أن نتأكد من ألا يصل أمثال السيد دونالد ترامب للرئاسة مرة أخرى" أي أن الديموقراطية يمكن أن تصاب بخلل حتى في عقر دارها! اعتراف بالخلل الهيكلي في العملية الديموقراطية الأميركية الذي أصبح الجرح الغائر نتيجة تصرفات السيد ترامب والذي يحب أن يعالج كأولوية، فعلى الصعيد العملياتي كان يطلب من كل من يوظفهم في المراكز العليا في الإدارة أن يكونوا موالين له شخصياً، وهو من أكثر الرؤساء الذين وظفوا ومن ثم طردوا كبار المساعدين، كما أن رأيه الشخصي هو المتفوق على أي نصيحة من المؤسسة. لم يكن ذلك تصرفاً ديموقراطياً، ولكنه في الوقت نفسه من المنظور العملي حقق "الحمائية" للاقتصاد الأميركي وحفّض الضرائب وأنعش الاقتصاد، فأصبح له مؤيدون يتجاوزون كل عثراته الشخصية الكثيرة والكبيرة. لقد كان شعبوياً أكثر منه ديموقراطياً، حتى وصل الأمر ببعض المتابعين الى مقارنة حال أميركا في هذه الفترة كما هي حال أوروبا في عشرينات القرن الماضي، مع صعود متوحش للشعبوية والتي انتجت الفاشية، ولا يزال يكمل تلك المسيرة بإصراره على سرقة الانتخابات... والأكثر قلقاً أن 70 في المئة من الجمهورين يصدقوه! 
 
على المستوى الشخصي ربما يمكن أن يقال إنه أكثر الرؤساء كذباً. معظم السياسيين يلجأون الى الكذب او تفسير الأمور بالخداع الموارب، ولكن عند ترامب، الكذب هو "الحقيقة الأخرى". كان يكذب كما كان يمشي، حتى أن بعض الإعلام الأميركي اتهمه بأنه "مصاب بمرض الكذب". ليس هذا فقط، فهو أكثر الرؤساء الأميركيين لجأ الى ما يعرف بالأوامر الرئاسية بعيداً من مشاركة المؤسسات الديموقراطية... الرجل يمكن وصفه بـ"منفلت اللسان" مع الأصدقاء والأعداء على السواء. بعض فلتات لسانه قوله في حضور الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي إن "هذا ديكتاتوري المفضل"! هذا كلام لا يقال من رئيس أكبر دولة ديموقراطية! أو قوله مشيراً إلى الأزمة الإثيوبية حول مياه النيل، "إن المصريين يمكن أن يقصفوا سد النهضة"! ذلك قول ليس فقط غير حصيف ولكنه بمثابة إعلان حرب. أما خبثه تجاه دول الخليج، فكان أكثر فجاجة حيث ردد أكثر من مرة أنه لولا حمايتنا لما بقي أحد منهم في الحكم! وبعض دول الخليج وحكامها أقدم حتى من نشوء أميركا الحديثة. 
 
ويذهب الرجل الى حد منع مواطني دول كاملة من دخولهم الى الولايات المتحدة وهي التي بُنيت على اكتاف المهاجرين، والى التنمر على بعض أعضاء مجلس النواب الأميركي نفسه من ذوي الأصول المختلفة! لقد صوّت الأميركيون ليس لجو بايدن ولكن ضد ترامب، بدليل أن الحزب الديموقراطي خسر مقاعد في محلس النواب وأيضاً الشيوخ. لقد كان الجوع للقيادة المعتدلة الديموقراطية هو الدافع حيث شعر كثيرون بتناقص الأوكسجين الديموقراطي في فضائهم، لذلك فإن أولى مهمات الإدارة الجديدة إعادة ضخ الأوكسجين الديموقراطي في داخل الولايات المتحدة قبل التفرغ للآخرين.
 
المهمة صعبة في مجتمع أصبح يعرف بمجتمع الـ 50 في المئة! فالترامبية قد تتكرر إنْ لم تعالج جذور نشأتها، وذلك مؤشر لفقدان أميركا قيادة العالم في اليوم التالي.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم