إعلان

الجزائر... من العالم الثالث إلى منطقة الظل

المصدر: النهار العربي
أزراج عمر  
أزراج عمر  
من الاحتجاجات في الجزائر
من الاحتجاجات في الجزائر
A+ A-
خلال هذا الأسبوع، ولمناسبة اقتراب موعد السنة الجديدة، أصدرت جريدة "الإيكونوميست" االبريطانية ملحقاً مهماً يدخل في نطاق استشراف آفاق سنة 2021. تضمن هذا الملحق قراءة واقعية لحقائق الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية لمعظم دول العالم من بينها الجزائر، إلى دول عربية أخرى.
 
بدا واضحاً أن الجزائر، بحسب "الإيكونوميستط، لا تزال تقبع في المنطقة المظلمة في خريطة الدول التي لم تنجز تحوَلاً تحديثياً في مختلف المجالات الحيوية. ويوضح ملحق "الإيكونوميست" أن تعداد سكان الجزائر ما فتئ يزداد تضخماً حيث وصل اليوم إلى نحو 44.5 مليون نسمة، وذلك جراء غياب ثقافة تحديد النسل على المستويين الحكومي والشعبي، الأمر الذي يعني أن قيادات النظام الجزائري لم تقدم أي حل لإيجاد توازنات بين الظاهرة الديموغرافية وبين حقيقة الواقع الاقتصادي الوطني المتخلف وتداعياته المتمثلة في تضخم البطالة، وازدياد هجرة الشباب في قوارب الموت، ومواصلة أوروبا وكندا تجفيف الوطن من الكفاءات الجزائرية في مجالات الطب والعلوم فضلاً عن تعقد أزمة السكن التي لا تزال تعصف فعلاً بملايين الشبان والشابات على نحو خاص، وغير ذلك من الأوضاع السلبية التي تتسبب بغلق الأبواب أمام أي مبادرات لإيجاد حلول مستدامة للمشكلات الخطيرة العالقة منذ أكثر من ثلاثين سنة.
 
في هذا السياق بالذات يتشاءم المرء من المعلومات المخيفة التي عرضها ملحق "الإيكونوميست" والمتمثلة بإحصائية مستقاة من تقارير الصندوق الدولي وعدد من المؤسسات الدولية، التي تراقب الوضع الاقتصادي في مختلف بلدان العالم، حيث تفيد هذه الإحصائية أن الدخل الفردي الأساسي للمواطن الجزائري لا يقارن إلا بمداخيل الأفراد في أفقر الدول المصنفة بين دول الأطراف.
 
لا شك في أن الدخل الفردي للمواطن الجزائري أقل بكثير حتَى من الدخل الفردي للمواطنين في عدد من الدول العربية، إذ نجد دخل الفرد اللبناني، على سبيل المثال، أكثر من ضعف دخل المواطن الجزائري وهو الأمر الذي يجعل هذا الأخير يترجم تدهور أمنه الاجتماعي العام إلى ردود أفعال مثل مواجهة السلطات فضلاً عن ممارسة العنف المادي والرمزي كعلاج سلبي طبعاً للمشكلات الحادة التي تهدد أمنه الاجتماعي. وفي هذا الخصوص توضح "الإيكونوميست" في تقريرها العام في ملحقها أن الدخل الفردي الجزائري لا يتجاوز حدود الـ 3710 دولارات في العام أي بنحو 309 دولارات شهرياً، ويعني هذا في لغة الاقتصاد أن الشعب الجزائري فقير ومرغم على الدوران في فلك انعدام الأمن الشامل وفي المقدمة الأمن الغذائي.
 
في ظل هذه الصورة القاتمة، يؤكد خبراء "الإيكونوميست" أن "الاحتجاجات العامة ستعود إلى الظهور في الجزائر مع انحسار الأزمة الصحية، وهو ما يعكس الإحباط من النظام بسبب إخفاقه الملحوظ في معالجة المشكلات التي أجبرت المستبد عبدالعزيز بوتفليقة على الاستقالة في عام 2019". 
 
ويلاحظ هنا أن قراءة مؤسسة "الإيكونوميست" للوضع الجزائري تتناقض كلياً مع الخطاب النمطي المشبع دائماً بالتطمينات التي تحاول الحكومة الجزائرية أن تسوقه، مثلما حدث مثلاً، خلال هذا الأسبوع، عندما لوّح الوزير الأول الجزائري عبدالعزيز جراد في الكلمة التي ألقاها خلال مشاركته يوم السبت الماضي في الدورة الاستثنائية الـ 13 لمؤتمر رؤساء دول وحكومات الاتحاد الأفريقي من أن الجزائر ستعالج آفة الركود الاقتصادي وتربح رهان الانفراج الاجتماعي بواسطة آليات عدة، منها آلية إطلاق منطقة التجارة الحرة الأفريقية كخيار استراتيجي للجزائر. 
 
والغريب في الأمر هو أن كلمة الوزير الأول الجزائري قد ورد فيها تضخيم مفرط ويتمثل في قوله إن رأسمال هذه االمنطقة الحرة لا يقل عن 3 تريليونات دولار، علماً أن الدخل الإجمالي السنوي لدول الاتحاد الأفريقي مجتمعة بما في ذلك الدخل الوطني الجزائري هو أقل من الدخل الإجمالي الوطني لدولة أوروبية واحدة وهي بريطانيا. وهكذا ندرك أن هذا الرقم السحري، الذي أقحمه السيد جراد في مداخلته من طريق الأقمار الاصطناعية أمام رؤساء دول وحكومات دول الاتحاد الأفريقي، غير مطابق للواقع من جهة، ومن جهة أخرى هو في الحقيقة موجه للإستهلاك الجزائري الداخلي، ولكن هذا النمط من التفكير غير الواقعي، والذي يقدم وعوداً متعددة الألوان وهمية غير مؤسسة على حقائق الواقع، لا يمكن أن يفرز في المدى المنظور حلاً علمياً جذرياً للأزمة الجزائرية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية المركبة، والتي يتضاءل فيها احتمال التقدم والانتعاش نحو تفعيل الشراكة بين المواطنين وبين السلطات الحاكمة لبناء جسور الثقة مع الأسف.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم