إعلان

الانتظار

المصدر: النهار العربي
سمير قسطنطين
تعبيرية
تعبيرية
A+ A-
 الانتظار علامةٌ فارقة في حياة الناس، يختبرونه باستمرار لكنّهم نادراً ما يتحدّثون عنه. نحن نمضي حياتنا كلَّها ونحن ننتظر. منذ ولادتنا ننتظر شيئاً ما، أو أمراً ما، من شخصٍ ما. لذا تتفوّق متعة الصدفة مرّات على شعور الانتظار. محمود درويش قال مرة: "أجمل ما في الصدفة أنها خالية من الانتظار".
 
في رائعة صمويل بيكيت "في انتظار غودو" أو “Waiting for Godot” نرى مشاهد من الانتظار المؤلم. "فلاديمير" الفلسفي، و"إستراغون" المُرهَق الذي لا يمكنه خلع حذائه من قدميه المتألّمتَين، ينتظران شخصاً يدعى "غودو" الذي لن يصل أبداً. 
 
في الحياة مشاهد كثيرة للانتظار. فهذا طفل في الرابعة من عمره ينتظر لعبة من بابا نويل في زمن الميلاد، وذاك صبيٌّ ينتظر يوم توزيع العلامات في الصف وهو يُدرك أنّه لم يُنجز الكثير خلال الفصل الدراسي. وهناك صبيّة يافعةٌ تنتظر رسالة أو Email من شاب يعجبها والرسالة تتأخّر، وتلك شابّة تنتظر قراراً بالمبادرة يتّخذه فارس أحلامها وهو يعيش على قاعدة "يلّلي عند أهلو عَ مهلو".
 
هذا تلميذ صفّ بروفيه سيتقدّم هذه السنة الى الامتحانات الرسميّة، وهو ينتظر ليعرف ما إذا كانت الامتحانات ستجرى كما هو مقرّرٌ لها أو لا. هناك شابٌ ينتظر إجابة شركةٍ ما على طلب للعمل تقدّم به، وهنالك شابةٌ تنتظر العطلة السنويّة لتسافر مع رفيقات لها وترتاح من تعب الأيّام.
 
العروس تنتظر يوم الزفاف، والعريس ينتظر موافقة المصرف على طلب القرض السكني، هذا الانتظار الذي عَلِق بين مطرقة تقديم الطلب، وسندان الأزمة الاقتصاديّة. تلك عروس تنتظر أن تكون هذا الشهر حاملاً، وتلك أمٌ تنتظر استجابة صلاة من الله لولدها المريض. ذاك رجل قابع في المستشفى منذ مدّة ينتظر الشفاء من فيروس الكورونا، وتلك امرأةٌ تنتظر العيد ليعود أبناؤها المسافرون ويُلَمّ الشمل، وهي شبه يائسة من مجيئهم هذه السنة بسبب الأحوال. هذا رجلٌ ينتظر معاش آخر الشهر ليسدّ الدَيْن للبقّال والدكنجي، وتلك زوجة تنتظر استتباب الأمن ليأتي زوجها من المهجر ويزورها والأولاد. تلك امرأة تنتظر يوم ولادتها طفلاً جديداً بالسلامة، وذاك رجلٌ ينتظر أن يصبح أباً للمرة الأولى. 
 
الرجال والنساء ينتظرون في المحطّات صفير القطار الآتي لينقلهم كما في مسرحيّة "المحطّة" للأخوين رحباني، وينتظرون في المطار موعد إقلاع الطائرة التي تقلّهم إلى أحبائهم. المؤمنون ينتظرون علامة من السماء في بعض المرّات، والسياسيّون ينتظرون أيّام الانتخابات ليكونوا فاعلين. وذاك شعبٌ بـ"إمّو وبيّو"، هو الشعب اللبناني، ينتظر رحمةً به من المسؤولين لكن من دون أمل. هو يرجو يائساً عودة الغيّاب واستتباب الأمن وانفراج الأزمة والأسارير.
 
كُلّنا ننتظر، ننتظر قراراً أو نتيجةً أو إجابةً أو علامةً فارقة، أو مبادرةً. المهم، ونحنُ في الانتظار، ألا نفقد الأمل إذا كان الانتظار مؤلماً، وألا تحرقنا حماستنا إذا كان الانتظار مفرحاً، وهذا ليس بالأمر السهل، ذلك لأنّ الانتظارَ إذا طال، قد يكون مُميتاً، فهو قد يقتل الشيء، ويسخّف المُنتَظَر، ويُلغي قيمته. 
 
صحيحٌ أنّنا يجب أن نصحو كلّ يوم ونحن ننتظر أمراً جميلاً يحدث، لكنّنا يجب أن نحذر من أن يراكم الانتظار الملل والخمول فينا واللاقدرة على المبادرة. الممثّلة الأميركية إليزابيث تايلور قالت مرة: "غريبٌ كيف أنّ السنين تعلّمنا الانتظار، وكيف أنّنا كلما أصبح وقتنا أقصر كانت قدرتنا على الانتظار أعظم". 
 
الانتظار بحدّ ذاته ليس هو المهم. المهم هو كيف ننتظر، برجاءٍ وسكينةٍ ودعاء، أم بقلقٍ وحيرةٍ واحتراق؟ ولعلَّ الدرسَ الأعظم الذي نتعلّمُه من الانتظار هو الصبر الذي قالت عنه جويس ماير، وهي من قادة الرأي في أميركا، "الصبر ليس القدرة على الانتظار، إنّه كيف نتصرّف ونحنُ ننتظر".
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم