إعلان

في العراق هدنة غير معلنة بين سلاحين

المصدر: النهار العربي
فاروق يوسف
فاروق يوسف
عناصر من الجيش العراقي
عناصر من الجيش العراقي
A+ A-
قبل 2014 كانت هناك في العراق مسافة بين الدولة والسلاح غير الشرعي الذي يهدد قيامها. لقد أنشأ الأميركيون دولة من غير سلاح، ذلك لأنهم قبل عقد من الزمن حلوا الجيش العراقي وطردوا قياداته.
 
ورغم أنهم صدروا إلى العراق أسلحة بمليارات الدولارات بعدما تم إنفاق مليارات أخرى على تدريب مجاميع منتقاة لكي تكون نواة للجيش العراقي الجديد، غير أن النتائج لم تكن مشجعة. ذلك لأن أفراد تلك المجاميع لم يتم اختيارهم على أساس مهني وطني بل لعب العامل الطائفي والحزبي دوراً كبيراً في اختيارهم. لم يعترف الأميركيون بأنه كان جيشاً فاشلاً حتى بعد استيلاء تنظيم "داعش" على الموصل ومن بعدها على غرب العراق.
 
لم يعترف الأميركيون أيضاً بأن الجيش المهزوم كان ترك على أرض معركة لم تقع أسلحة حديثة تقدر قيمتها بمليارات الدولارات. لقد ذهب ذلك السلاح كله إلى مقاتلي تنظيم "داعش" وتم توزيعه بين العراق وسوريا، وكان هناك فائض تم بيعه في السوق المحلية، وهي سوق عامرة بالسلاح.
 
يومها تحدث البعض عن إمكان سقوط الدولة وهو حديث مضلل، ذلك لأن الدولة لم تكن موجودة أصلاً وكانت حكومة نوري المالكي قامت بتحويل أموال هائلة إلى إيران التي رحبت به حين هرب إليها خشية أن تتم محاكمته بتهمة التآمر أو الإهمال في الواجب. وهو ما لم يحدث، بل حدث ما يمكن اعتباره نهاية الأمل في إمكان أن تقوم دولة في العراق. لقد أصدر المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني فتواه الخاصة بالجهاد الكفائي. 
 
أكسبت تلك الفتوى السلاح الفالت شرعية مستلهمة من سطوة دينية، ولم يكن القانون حاضراً إلا باعتباره الواحاً مزورة. فحين تأسس "الحشد الشعبي" بناء على تلك الفتوى كان عبارة عن خليط غير منسجم وغير قابل للاحتواء من الميليشيات الشيعية التي يعود ولاء الجزء الأكبر منها إلى إيران. يومها فتحت مخازن سلاح الجيش العراقي لتلك الميليشيات التي نجحت في تمرير قانون خاص بها يتيج لها الاستيلاء على السلاح الرسمي بعد أن تم اعتبارها جزءاً من الجيش العراقي الذي لا يملك حق الإشراف عليها أو إصدار الأوامر لها. وبذلك اختلط السلاح غير القانوني بالسلاح الرسمي وصار حملته يتقاضون رواتب من الدولة العراقية التي لا تملك الحق في مراقبة السبل التي يستعمل من خلالها سلاحهم. 
 
ما حدث يومها أن السلاح الطائفي اكتسب صفة رسمية وصار يحق للمسلحين أن يفرضوا قوانينهم المرتجلة على الشارع في مختلف المدن العراقية بغض النظر عن الهوية المذهبية لسكان تلك المدن. وهو ما سبب مشكلة شائكة في المدن ذات الغالبية السنّية التي عانت من احتلال تنظيم "داعش" عبر ثلاث سنوات عصيبة وحين تم تحريرها صارت أجزاء منها أشبه بغنيمة حرب هي من حصة "الحشد الشعبي". ذلك ما جسده الرفض المستمر لعودة النازحين إلى بيوتهم وبقائهم في مخيمات النزوح. 
 
في المقابل فإن مأسسة "الحشد الشعبي" أدت إلى تسرّب العديد من عناصره إلى المؤسسة العسكرية وحصولهم على رتب عسكرية عليا وهو ما أسس لظاهرة "ضباط الدمج"، ما أدى إلى أن تزداد المؤسسة العسكرية ضعفاً ورثاثة وهامشية. فهناك وقائع هي أشبه بالدعابات الحزينة صارت بمثابة صور ذات دلالة مؤلمة للتعريف بالواقع المأسوي الذي تعيشه المؤسسة العسكرية التي صار يتجاذب الأوامر فيها ضباط حقيقيون هم من بقايا الجيش العراقي المتهم بولائه لـ"حزب البعث" وضباط الدمج الذين لا يعرفون عن الانضباط العسكري شيئاً، بل أنهم لا يعترفون بالضبط العسكري ولا بالقوانين التي تشكل مرجعية للحياة العسكرية. 
 
لقد قويت شوكة "الحشد الشعبي" في الوقت الذي صارت فيه القوات الرسمية محط سخرية، بحيث لن تتمكن الحكومة إذا ما اضطرت أن تتصدى لأصغر الميليشيات وأضعفها وأقلها عدداً في حال قامت تلك الميليشيا بعمليات اختطاف أو بثت الذعر في قلوب المدنيين من خلال إقامة الحواجز واغلاق الشوارع لبعض الوقت. كما أن القوات الحكومية لن تكون قادرة على ردع العشائر ومنع صدامها بعضها بالبعض الآخر وهو صدام مسلح غالباً ما يسقط بسببه الكثير من القتلى الذين لا ينتسبون إلى هذا الطرف أو ذاك. 
 
الأمر لا يتعلق بسقوط هيبة الجيش العراقي فحسب، بل وأيضاً لأن ذلك الجيش بفتقر إلى الكثير من المقومات التي تمكنه من القيام بواجباته بعد أن تم اختراقه والاستيلاء على سلاحه.
 
القول إن في العراق دولتين هما دولة "الحشد الشعبي" والدولة الرسمية المعترف بها دولياً لم يعد جديداً، وهو يرسم صورة لتعارض مصالح، انعكست أضراره على الحكومة مع أول أزمة تواجهها. غير أن الجديد أن يؤدي ذلك التعارض إلى صدام منشأه وجود سلاحين لا ينحصر أحدهما في سلاح دولة "الحشد"، بل يتجاوزه إلى سلاح الميليشيات الطارئة والعابرة وسلاح العشائر التي تتنقل في ولائها بين الدولتين. 
 
تلك ظاهرة قد لا تجد لها حلاً، فيبقى العراق عالقاً بفوضى ترتيبات أمنية هي في حقيقتها محاولات مستمرة لتمديد هدنة بين طرفين لا يرى أحدهما الآخر لكن قد يصطدم به خطأ.  
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم