إعلان

تركيا وإيران تتبادلان الأدوار مع إدارة بايدن

المصدر: النهار العربي
رستم محمود
علما إيران وتركيا
علما إيران وتركيا
A+ A-
بالصعود المتوقع للإدارة الديموقراطية إلى سُدة حُكم الولايات المتحدة الأميركية، فإن سلطة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مُهددة بمواجهة غير سهلة معها، وفي مختلف الملفات الإقليمية والداخلية، كما هدد الرئيس الأميركي المُنتظر بوضوح، في مقابلة إعلامية جرت خلال شهر أيلول (سبتمبر) الفائت، متوعداً بالسعي للإطاحة بأردوغان وسلوكياته الإقليمية، وحتى سلطته الداخلية.
 
لا يبدو  أن شبكة الأمان التي يمكن لتركيا وسلطة الرئيس أردوغان أن تلجأ إليها واسعة للغاية. فقوى التوازن الموضوعي الثلاث، الصين روسيا والاتحاد الأوروبي، القادرة على مجاراة النفوذ الأميركي المناهض للدور التركي، لا تبدو متوافرة تماماً. فالصين تسعى الى مصالحة مفتوحة مع الإدارة الأميركية، لتجاوز آثار الحرب التجارية التي بدأها الرئيس ترامب. وروسيا ستسعى إلى مزيد من الضغط على أردوغان في ملفي ليبيا وناغورني كراباخ، مستفيدة من فقدان تركيا للدعم الأميركي في كلا الملفين. أما قوى الاتحاد الأوروبي، فإنها تعيش أسوأ أشكال العلاقة وسوء الفهم المتبادل مع سلطة أردوغان، ولا يمكن لها أن تمنح أردوغان مساحة أمان إذا فقد التغطية الأميركية.
 
أمام هذا المشهد، تبدو إيران القوة الإقليمية النافذة الوحيدة القادرة على خلق شيء نسبي من ذلك. فغير التاريخ الإمبراطوري الجامع بين الطرفين، وإضافة إلى كتلة المصالح الاقتصادية والجيوسياسية الضخمة التي تجمع سلطة الحُكم فيهما، فإنهما راهناً تُجمعان على ثلاثة ملفات حيوية في المنطقة.
 
فخلال أزمة الرسوم الفرنسية، وما تبعها من صدام مفتعل بين بعض القوى الإيديولوجية في منطقتنا وما يناظرها من مؤسسات أوروبية، فإن النظامين الحاكمين في تركيا وإيران كانا الطرفين الأكثر حرصاً على إذكاء سياسة الكراهية على أساس الهوية تجاه الثقافة والدول الأوروبية، تلك المنهجية الشعبوية التي يعتقد الطرفان بأنها تمنحهما نوعاً من الشرعية في بلادهما.
 
كذلك فإن نظامي إيران وتركيا يملكان مصلحة مشتركة لتقاسم النفوذ في سوريا، وإن من موقعين مختلفين تماماً. فالنفوذان الروسي والأميركي في سوريا، اللذان يعملان على تثبيت بعض القوى الميدانية المناهضة للنفوذ التركي والإيراني في سوريا، مثل الأكراد والفرق المحدثة من الجيش السوري، أنما يدفع تركيا وإيران للتنسيق المنظم للتقليص من نفوذ هذين البلدين.
 
على المنوال نفسه، فإن أزمة ناغورني كراباخ، وعلى العكس مما كان متوقعاً، فإنها صارت تخلق مساحة تنسيق مشترك بينهما. فبينما تسعى تركيا للضغط على روسيا وأرمينيا في تلك المنطقة، ونشر نزعة قومية تركية عابرة للحدود، فإن إيران تريد لذلك الملف أن يكون أداة لضبط علاقتها مع سكانها المحليين من الأذريين، الذين يشكلون قرابة ربع سكان البلاد، والقومية المنافسة لأبناء القومية الفارسية.
 
الكاتبة والباحثة أصلي أيدينتاسباس كتبت تلخيصاً شاملاً للمواجهة المشتركة التي يمكن للإدارة الأميركية الجديدة أن تخوضها ضد الدولتين. تلخيص الباحثة جاء ضمن ورقة كاملة نشرها الموقع الرسمي للمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية حول التحولات التي يمكن أن يحدثها التغيير المنتظر في الإدارة الأميركية: "في ظل إدارة بايدن، ستدخل العلاقات بين واشنطن وأنقرة بلا شك بتوتر وخوف من الجانبين. في حين أنه من المحتمل أن تكون هناك مراجعة للسياسة بشأن تركيا لمدة أشهر في ظل إدارة بايدن، تتبعها محاولات لإعادة الضبط، فإن لدى أنقرة قلقين رئيسيين بشأن العلاقات المستقبلية مع الإدارة الجديدة: الأول، هو الخوف من أن بايدن سيعيد إدخال خطاب الديموقراطية وتعزيز حقوق الإنسان في العلاقات الثنائية. ثانياً، يكمن في خشية أنقرة أن يحاول بايدن تقييد تركيا الصاعدة من جديد، ودعم سياسات احتواء تركيا في ليبيا وشرق البحر المتوسط وسوريا. سيحدث ذلك في وقت تتجه فيه العلاقة بين واشنطن وطهران إلى تعقيد شديد. فأي تقدم سريع تجاه طهران، من المرجح أن يتلقى معارضة من الحزب الجمهوري، إلى جانب حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط مثل إسرائيل والمملكة العربية السعودية، لذا فإنه من غير الواضح ما إذا كان بايدن سيكون على استعداد لرفع العقوبات على إيران، وبالذات التي لا علاقة لها بالمسائل النووية والتي قدمتها إدارة ترامب عن عمد".
 
الكاتب سيث فرانتزمان كتب مقالاً تحليلياً نشره في صحيفة "جيروزاليم بوست"، أشار فيه إلى تبادل الأدوار بين الدولتين في ظلال الإدارة الجديدة، ففي حين كان أردوغان الطرف الأكثر نفوذاً لتخفيف ضغوط الإدارة السابقة على إيران، عبر التعاون التام معها، فإن العكس قد يحدث في ظلال الإدارة الحديثة: "أردوغان يدرس ما يجب فعله، لقد انتقد فريقه بالفعل، بايدن والديموقراطيين، ويتهم الولايات المتحدة بدعم "الإرهابيين" في سوريا، على الرغم من عدم وجود هجمات إرهابية من القوات الكردية المدعومة من الولايات المتحدة في سوريا... إيران تفكر عكس تركيا، فهي تأمل في الظهور بدور "الشرطي الجيد" للأشهر القليلة المقبلة. تريد إيران طمأنة إدارة بايدن المستقبلية بأنها مسؤولة وإظهار أنها عانت تحت عقوبات ترامب. لأجل ذلك فإنها لن تخوض أية هجمات مجنونة على القوات الأميركية في العراق، أو ضد إسرائيل مباشرة، وهذا ما قد يلقى تشجيعاً تركياً مباشراً".
 
الباحثة في التاريخ السياسي إليوت هنتوف، نشرت بحثاً تفصيلياً عن الجذور الأساسية التي جمعت الرؤية السياسية لتركيا وإيران في المنطقة، مُعيدة الأمر إلى بدايات وصول حزب "العدالة والتنمية" إلى سُدة حُكم تركيا عام 2002، معتبرة أن التطابق الحالي هو النتيجة المنطقية لمسار التحولات التي دخلت فيها السياسة الخارجية التركية تجاه الولايات المتحدة: "خلت البيئة الاستراتيجية وعلاقات تركيا الخارجية حقبة جديدة بسبب الغزو الأميركي للعراق عام 2003. فرفض أنقرة دعم الغزو والتدهور التدريجي للعلاقات التركية - الأميركية قللا من صورة تركيا كحليف للولايات المتحدة في عيون الإيرانيين. فعلى الرغم من أن العديد من المراقبين وصفوا التصويت بأنه "حادث" أو "فشل إداري" من قبل أردوغان، فقد وصفه آخرون بأنه بداية لسياسة إبعاد أنقرة عن النفوذ الأميركي في المنطقة.
 
في حين كان يُنظر إلى هذا على نطاق واسع على أنه كارثة سياسية لحزب "العدالة والتنمية" في ذلك الوقت، فقد ثبت أنه نعمة للعلاقات التركية - الإيرانية. كان التصويت البرلماني نقطة تحول رئيسية في العلاقات الثنائية، حيث شعرت أنقرة بتغيير عميق في الموقف من طهران بعد ذلك. وقد أكد ذلك الانطباع الأوّلي لطهران بأن انتخاب حزب "العدالة والتنمية" بشر بالفعل بعهد جديد من الاستقلال في السياسة الخارجية التركية... 
 
اعتبرت إيران أن زيادة "الدمقرطة" في تركيا هو أمر لصالحها، حيث افترضت أن غالبية الجمهور التركي متعاطفة مع جارتها الشرقية لأسباب دينية وثقافية. علاوة على ذلك، أدت حرب العراق إلى تقارب المصالح الاستراتيجية التركية - الإيرانية، وهو مستمر حتى الآن". 
الكلمات الدالة