إعلان

الجزائر... بين الإصلاح الداخلي والاستعداد الإقليمي

المصدر: النهار العربي
سميح صعب
سميح صعب
الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون
الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون
A+ A-
الجزائر دولة لا تظهر امكاناتها. عاشت عشرية سوداء في التسعينيات وخرجت منها بـ"الوئام الوطني" واختارت المخضرم عبد العزيز بوتفليقة كي يقود مرحلة انتقالية نحو بر الآمان. لكن بوتفليقة ومن خلفه الجيش باعا الجزائريين الأمن بينما راح الفساد يضرب جذوره ويستشري بين أركان النظام ومن هم محسوبون عليه. وبدأت عملية التلاعب بالدستور والترشح مرة تلو أخرى حتى وصلت إلى المرة الخامسة، بينما الرئيس غائب عن الواجهة بسبب المرض. وتولت تسيير شؤون الدولة أقلية كانت وراء الترشيح للمرة الخامسة.   
 
هذا الترشيح في أوائل 2019، أدى إلى انفجار الشارع الذي لم ينزل إلا بصورة محدودة عام 2011 على وقع موجة "الربيع العربي"، ربما لأن مآسي العشرية السوداء كانت لا تزال طرية في الذاكرة وربما لأن الجزائريين أظهروا تسامحاً حيال بوتفليقة نفسه، الذي وعد يومذاك بإجراء إصلاحات عاجلة تلبي تطلعات المواطنين إلى مزيد من حرية التعبير والعيش الكريم. بيد أن شيئاً من هذه الوعود لم يتحقق. 
 
 
نجح الشارع في إرغام بوتفليقة على التقاعد أخيراً وتولى عملياً الجيش بشخص قائده الراحل الفريق أحمد صالح قايد، عملية انتقالية على أساس أن لا يتحول الحراك إلى الفوضى، وصولاً إلى انتخاب عبد المجيد تبون رئيساً، في اقتراع لم يلبِ تطلعات المتظاهرين الذين ظلوا ملتزمين التحرك السلمي، ولكن بمواظبة كل يوم ثلاثاء وجمعة من كل أسبوع، إلى أن تفشى وباء كورونا في أوائل العام الجاري، حيث فرضت السلطات قيوداً على التجمعات. والملاحظ في الأشهر الأخيرة ومع استعداد الحكومة لطرح التعديلات الدستورية للاستفتاء في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، بدأت السلطات بالتعرض لعدد من الناشطين والصحافيين من طريق الاعتقال، لتضطر إلى إطلاقهم تحت ضغط الرأي العام لاحقاً. 
 
وبينما كان الحراك يطالب بدستور جديد، تم إدخال 160 تعديلاً على دستور 2016 تحدد طبيعة الحكم والفصل بين السلطات وتقليص صلاحيات الرئيس ومواصلة عملية مكافحة الفساد، والسماح للجيش الجزائري بتنفيذ مهام عسكرية في الخارج بغطاء عربي وأفريقي وأممي. وشارك في وضع التعديلات أكثر من 600 شخصية أكاديمية وسياسية وحزبية وثقافية ومن المجتمع المدني. ويصور الرئيس الجزائري هذه التعديلات على أنها قطيعة مع النظام السابق. ومع ذلك لم ترضِ التعديلات الجزء الكبير من الحراك الذي كان يطالب بوضع دستور جديد يضع الجزائر على طريق الإصلاحات الجذرية، ويجتث كل ما يمت بصلة إلى الحقبة السابقة.    
 
وفي مقابل تحفظات الحراك، يسعى الرئيس تبون، وطبعاً بدعم من الجيش، إلى تعزيز دور الجزائر الإقليمي في موازاة عملية الإصلاح في الداخل. ومن هنا ينظر الكثير من المراقبين إلى التعديل الدستوري الذي يتيح دوراً للجيش الجزائري في الخارج، على أنه رغبة من النظام الحالي في الاضطلاع بدور في مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل. 
 
وكانت لافتة زيارة وزير الدفاع الأميركي مارك إسبر الأسبوع الماضي للجزائر، على اعتبار أنها الزيارة الأولى لوزير دفاع أميركي منذ زيارة دونالد رامسفيلد عام 2006. وقبل إسبر زار وفد من القيادة العسكرية في أفريقيا "أفريكوم" الجزائر، للبحث في إمكان التعاون في مواجهة الإرهاب في منطقة الساحل.
 
ولا يتطلع النظام الجزائري على التعاون العسكري مع الولايات المتحدة فقط، بل إن وفداً عسكرياً روسياً أيضاً زار العاصمة الجزائرية قبل فترة، بعدما كان قائد الجيش الجزائري زار موسكو الفريق سعيد شنقريحة في حزيران. ومعروف عن أن الجزائر ترتبط تقليدياً بالسلاح الروسي. 
وينظر إلى الانفتاح على التعاون مع الولايات المتحدة في المجال العسكري أيضاً، على أنه تهميد لما يمكن أن تقوم به الجزائر من أدوار مستقبلية في مناطق الاضطرابات في أفريقيا وعلى صعيد مكافحة الإرهاب.   
 
وفي موازاة ذلك، نشطت الديبلوماسية الجزائرية في الأشهر الأخيرة في اتجاه مواكبة الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى إيجاد حل للنزاع الليبي. ويشكل هذا بداية ظهور جزائري على الساحة الإقليمية، بعد طول غياب.    
وإذا ما سلكت الإصلاحات طريقها إلى التنفيذ وجرت مكافة الفساد بالتوازي مع العودة الإقليمية، فإن الجزائر هي من الدول التي يمكن لثرواتها الطبيعية، ولا سيما النفط والغاز، أن توفر حياة أفضل لمواطنيها وأن تؤدي قسطاً مهماً في عملية الاستقرار في الجوار القريب والبعيد.   
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم