إعلان

حلف اليسار واليمين .. التّطرف ملّة واحدة

المصدر: النهار العربي
د.خالد باطرفي
د.خالد باطرفي
من نماذج الاسلام الراديكالي
من نماذج الاسلام الراديكالي
A+ A-
ما الذي يجمع أقصى اليسار بأقصى اليمين في عالم السياسة الدولية؟ سؤال حيرني طويلاً ولا يزال. فالتعاطف الذي يبديه إعلام اليسار الراديكالي الأوروبي والأميركي والأحزاب الديموقراطية والجماعات والمنظمات الحقوقية الليبرالية تجاه المتطرفين الإسلامويين، من "داعش" و"القاعدة" الى "حزب الله" والحوثي، والأنظمة المتناقضة من ملالي إيران الى ماركسيي أميركا الجنوبية، يثير العجب والتعجب. 

تناقضات اليسار
وفي منطقتنا، يبدو التسامح واضحاً مع أنظمة بوليسية كإيران وتركيا وسوريا، يقابل ذلك العداء المستدام للأنظمة المعتدلة والمتصالحة مع العالم، مثل السعودية والإمارات ومصر. 

فإذا كان اليسار الدولي بكل أطيافه معارضاً للقيم الدينية ومطالباً بالحريات المدنية، فكيف يتغاضى عن الجرائم الإنسانية في إيران مثلاً، التي تعتبر مع الصين أكثر البلدان تطبيقاً لعقوبة الإعدام بمعدل ألف شخص في العام، شنقاً وتعليقاً في الطرق العامة، ولأسباب تتعلق بحرية المعتقد والفكر والحياة الشخصية؟ 

الكيل بمكيالين
وأين إعلامه ومنظماته الحقوقية عن ممارسات الحوثي الوحشية في المناطق التي يسيطر عليها، كحرق السجناء من اللاجئين الأفارقة، وتجنيد نصف مليون طفل، وخطف النساء وقصف المدن والملاجئ ودور العبادة، وزرع ملايين الألغام، ومنع وصول المساعدات الإنسانية الى المحتاجين، أو الاستيلاء عليها؟ 

وكيف أصبح قصف المدن بالكيماوي والبراميل المتفجرة وتهجير ملايين السكان ومنع دخول المساعدات الإنسانية من أخبار الصفحات الداخلية التي سرعان ما يتم طيها في ملفات النسيان؟ 

محاربة الأديان 
وفي المقابل، يتبنى اليساريون والليبراليون هروب الفتيات المسلمات من أسرهن ويستقبلونهن بالورود في مطارات كندا وبريطانيا وأميركا، ويقدمن للرأي العام على أنهن ضحايا الظلم الديني وحرمان الحقوق المدنية في بلدانهن، من دون تقديم أدلة عليها. وبعد أن ينفضّ الحفل يتركن في الملاجئ والشوارع يتسوّلن الطعام والكساء والمسكن أو يضطررن للبحث عن رعاة، كجماعات المثليين والحركات النسوية والكنائس التبشيرية، ليظهرن بين حين وآخر في هذا الحفل أو تلك المسيرة بما لا يليق بثقافتهن، من تعر وتعاط للمخدرات ومجاهرة بالمعاصي.  

وتصمت الأحزاب الإسلاموية في عواصم أوروبا وكندا وأميركا عن ذلك، رغم أنها تقوم على وعد الدفاع عن القيم الدينية ومحاربة الرذيلة والمخالفات الشرعية. وذلك نكاية  بالحكومات العربية التي يتبرأون منها، وتزلفاً للحكومات والأحزاب الغربية التي يوالونها، 

اتّهام ودفاع
ويتقافز هذا الإعلام اليساري والليبرالي والمنظمات الحقوقية في رقصة حرب ضد كل محاكمة أو حكم على متمرد أو منشقّ أو خائن لبلده، ويشمل ذلك المتورطين في قضايا الإرهاب والجريمة المنظمة والتطرف الديني، في الوقت نفسه الذي يتّهمون بلدانهم بدعم الجماعات الإرهابية والتهاون في مواجهة التحريض الديني وخطاب الكراهية. 

يشكو الغرب من تنامي العداء له ولأديانه وإلحاده وقوانين الحريات السياسية والفكرية والشخصية، وهم يتحالفون مع  الجماعات نفسها التي تغذي هذا العداء، ويسمحون لها بتشكيل الأحزاب وإنشاء القنوات الإعلامية والتحريض ضد حكوماتها. ويدعون البلدان العربية الى التسامح معها والسماح لدعاتها بممارسة التحريض الذي يشكون من كوارثه ويتهموننا بالتسامح معه! 

تحالف المستضعفين
يرى الباحث أحمد القريشي، أن ثمة تحالفاً عالمياً واضحاً بين اليسار الدولي والتأسلم الراديكالي. لذا يدعم اليسار الخمينية في إيران و"حماس" في فلسطين، ويستضيف المتطرفين في أوروبا باسم الليبرالية والتسامح، ويعقد معهم تحالف المستضعفين. وحتى اليساري الإسرائيلي يتعاطف مع التطرف السنّي والشيعي، والثلاثة مع تدمير مؤسسات الأمن والحكومات.

"لذا نجد أن اليسار والتأسلم الأميركيّيْن، مثلاً، يتناغمان مع مطلب إضعاف الدولة الأميركية وتخفيض موازنات الشرطة والجيش، ويحتقران الدولة وتاريخها ويعتبرانها شراً مطلقاً. وهكذا موقفهما من الدولة في مصر والسعودية وغيرهما. كما رأينا اليسار في دولنا يتحالف مع التطرف الشيعي. والاثنان دافعا عن التطرف السني عندما تحركت بعض دولنا ضده. فثمة تحالف بين اليسار الدولي مع التطرف الديني (الشيعي والآن السنّي) والثلاثة يشتركون في تجميل صورة انهيار الدولة. وكلما كانت الدولة قوية زاد كرههم لها ونشطوا لإضعافها". 

دعم عاصمة الإرهاب
ومع قناعتي بتفسير القريشي للتحالف اليساري - الإسلاموي، إلا أنني أجد صعوبة في تفهم تقبل اليسار لنظام قمعي، ديني، رجعي كإيران. فلا هو بفكرة نجحت، ولا ثورة تشتعل. بل نظام كهنوتي يمثل الضد المتطرف لكل ما يؤمن به اليسار الراديكالي في ما يتعلق بالحريات وحقوق الإنسان والأديان. 

ولم أجد لتحقيق مصالحة لرؤية الباحث مع الواقع إلا تفسيراً واحداً: أن دعم إيران للإرهاب والثورات والفتن يضمن تنفيذ المشروع التدميري الذي يتبناه الغرب. فإذا تحقق ذلك، انتقلوا الى المرحلة التالية: قتل المقاول المعمم، وتفتيت إيران هي الأخرى الى دويلات وأقاليم تحكمها طوائف وأقليات تخضع للغرب وتتماهى مع قيمه اليسارية والليبرالية. 

تواطؤ الغرب
كما أضيف قناعتي بتواطؤ الولايات المتحدة وحلفائها في الغرب مع الأحزاب الديموقراطية والاشتراكية واليمينية المتطرفة. ودلائل ذلك ظهرت في تبني المحافظين الجدد في عهد الرئيس "الجمهوري"، جورج بوش الابن (2000 - 2008)، مشروع الهدم والتقسيم وإعادة البناء. واستكمال المشروع في عهد الرئيس الديموقراطي باراك أوباما بمؤامرة "الربيع العربي" وتسليم الحكم لأحزاب الإسلام الراديكالي، الشيعي والسني، والتسامح مع الجماعات الإرهابية المتطرفة، كـ"داعش" و"حزب الله" والحشد الشعبي والحوثي.  

وبعد استراحة قصيرة في عهد الرئيس ترامب، تعود أميركا في عهد خلفه الى العقيدة الأوبامية، برموزها أنفسهم من قيادات ونشطاء، لمواصلة المشروع التدميري للمنطقة العربية، وتسليمها للحلفاء العجم، الفرس والترك، ومطاياهم العرب من الأقليات والجماعات الدينية، التي تتغذى على المظلومية وتحرّكها الأحقاد والتطلع المزمن الى التسلط والانتقام.   


مواجهة الدّولة للفكرة
وأتفق مع ما خلص اليه الباحث أحمد القريشي من أن اليسار الدولي لا يملك مثالاً واحداً لدولة يحكمها اليسار بنجاح، لكنه يملك تجربة قرن كامل من فنون التنظيم السري والعلني والتجنيد والعصيان والتثوير والتغلغل في التعليم والإعلام، مع تقبل الأعراق واللغات والديانات. ولذلك فاليسار باق لأنه فكرة لا تتطلب امتحان قيام دولة.

كما أوافق الباحث على أن قوة الدولة لا تكفي لمواجهة هذه المؤامرة، والحل يتمثل في الاحتواء الذكي، وتملك زمام المبادرة، وتشكيل رواية جاذبة عن الدولة، وتطعيمها بكفاءات بشرية. وفي الوقت نفسه توفير مخارج محلية للحراك ما أمكن، حتى لا يندفع المواطن إلى أحضان المحرضين.

والأهم، المبادرة الى تغيير مناسب قبل الاضطرار الى تغيير غير مناسب. فاستباق صغير يؤجل استحقاقاً أكبر. وهكذا يتم تشكيل فكرة الدولة الناجحة. فالجيل الجديد مواطن يميل للفكرة قبل الدولة. 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم