إعلان

الكثبان السياسية!

المصدر: النهار العربي
محمد صلاح
محمد صلاح
جماعة "الإخوان" في مصر وصورة لمحمد مرسي
جماعة "الإخوان" في مصر وصورة لمحمد مرسي
A+ A-
هذه المرة جاء الأمر مضحكاً ويحتاج الى أطباء في علم النفس لتحليل أسبابه وتفسير دوافعه وليس الى محللين سياسيين أو خبراء استراتيجيين للبحث في قدرات محركيه او أنماط تفكيرهم وقدراتهم الحقيقية على الأرض. المسألة تتعلق بدعوة إطلقها "الإخوان" روجت لها وسائل إعلام تركية وقطرية للثورة في مصر يوم الجمعة الماضي، فضحك المصريون وضحك المراقبون وضحك مؤيدو الحكم في مصر عندما وجدوا أن الدعوة ذهبت أدراج الرياح ولم يستجب لها حتى عناصر ذلك التنظيم الإرهابي الموجوديون داخل مصر، بل إن الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي استغل يوم العطلة الأسبوعية والهدوء الذي يسود البلاد وانسياب حركة المرور وجال في أحياء عدة في العاصمة وتفقد مشروعات يجري تنفيذها.
 
الغريب أن الثورة المزعومة والدعوة الموؤودة أعقبت انتصارات سياسية حققها الحكم في مصر اخيراً على أصعدة عدة أهمها بالطبع الدور المصري في وقف العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة ناهيك بزيارات لمسؤولين كبار في دول عدة توافدوا إلى القاهرة على خلفية الانجاز المصري الكبير بينهم وزيرا خارجية الولايات المتحدة وقطر ذاتها!
 
عموماً النتيجة المؤكدة لاستمرار "الإخوان" وحلفائهم و"ثورجية" الفضائيات وأصحاب الحناجر الفولاذية، في التصرفات والأفعال التي دأبوا عليها منذ ثورة الشعب على حكم الجماعة ومساندة الجيش للإرادة الشعبية في حزيران (يونيو) 2013 هي اتساع الفجوة بين تلك القوى والناس، رغم الدعم الذي تلقاه من دول كتركيا وقطر وجهات كالمنظمات الحقوقية الدولية ووسائل إعلام كالصحف الأميركية والغربية وفضائيات "الإخوان". فالمحرك الرئيسي لأي ثورة هو الشعب، وطالما أنه يساند الحكم فلا جدوى من الإرهاب أو الحرائق، أو التظاهر في الحواري والأزقة، أو حملات التشهير على مواقع التواصل الاجتماعي، أو وصلات "الردح" على الفضائيات، أو منظومة الفبركة في الصحف والمواقع الإلكترونية.
 
وليس سراً أن الجيش بالنسبة إلى "الإخوان" كان وسيظل هدفاً بغض النظر عن كراهيتهم لجمال عبدالناصر أو عبدالفتاح السيسي. فالكراهية أتت لكون الاثنين حالا دون أن تجني الجماعة ثمار ما تعتبره جهاداً من أجل الوصول إلى الحكم، لكن ما يدركه "الإخوان" جيداً أن بقاء الجيش المصري موحداً متماسكاً قوياً يعني أن الحكم بالنسبة إليها بعيد وإن اقتربت كما حدث بعد 25 كانون الثاني (يناير) الماضي فإن الجيش قادر على أن يعيدها مجدداً إلى الخلف!
 
وعلى ذلك لا تستغرب حملة "الإخوان" على الجيش ولا تعتقد أن الأمر يعود إلى عزل الدكتور محمد مرسي عن المقعد الرئاسي وإطاحة حكم الجماعة لأكبر بلد عربي بعد سنة من الفشل، فالأمر يبدو وكأنه عقيدة لدى الجماعة كما أفكار أخرى رسخت في عقول أعضائها بفعل أساليب اعداد الكادر "الإخواني" الفعالة والتي تجعله لا يصدق إلا قادته ولا يتحرك إلا بأمر منهم ولا يفكر إلا في ما يلقن له. يدرك "الإخوان" ومنذ زمن أن الجيش وحده هو القوة القادرة على كبح جماحهم وأن الأحزاب السياسية لا تملك أي تهديد لها بل على العكس، كثيراً ما كانت تسعى، اثناء عهد مبارك، إلى كسب ود الجماعة لضمان أصوات أعضائها أو الاستفادة من قدراتها التنظيمية في أي انتخابات. أما أجهزة الدولة الأخرى، فيسهل التعامل معها بل "أخونتها" ذاتها. وتبقى الشرطة لكن احتكاكها الدائم بالمواطنين يسهل على الجماعة إذا أرادت إسقاطها أن تدفع الناس في هذا الاتجاه وهو ما جرى بالفعل أثناء الربيع العربي...
 
الجيش قصة أخرى عصت على الجماعة منذ زمن، وصراع "الإخوان" مع الضباط الأحرار بعد ثورة تموز (يوليو) 1952 معروف وتفاصيله يدركها الجميع، فـ"الإخوان" وقتها تصوروا أن غياب الخبرة السياسية لدى الضباط والسمعة السيئة للأحزاب بين الناس ووجود بعض عناصر الجماعة في جهاز الدولة أمور تكفل لهم أن يفرضوا على عبد الناصر ورفاقه وجوداً "إخوانياً" يمكّن الجماعة من الدولة، فكان الصدام وخسرت الجماعة لأن الشعب لم يكن في صفها وإنما اختار الجيش ودعمه وسانده.
 
تصور "الإخوان" مع الربيع العربي أن نزول الناس إلى الميادين والشوارع ثم انضمام الجيش لاحقاً ليدعم مطالبهم يمكن أن يغير المعادلة. صحيح نجحت الجماعة على مدى سنين في تثوير الناس أو شحنهم أو حشدهم، وأحياناً تمكنت من خلق بؤر توتر بين بعض الفئات والجيش لكن سرعان ما كان الوضع يعود كل مرة إلى طبيعته خصوصاً بعدما انتشرت المخاوف من انقسام الدولة وظهور حقائق حول علاقة "الإخوان" في مصر بتنظيمهم الدولي وكذلك دول أخرى وتفضيلهم المصلحة "الإخوانية" الضيقة على مصلحة الوطن.
 
الغريب أن الحملة لم تؤتِ أي ثمار حتى الآن مع ذلك ما زالت مستمرة والغريب أنها أفرزت مناخاً عدائياً ضد "الإخوان" أنفسهم من جانب قطاعات جماهيرية واسعة، ومع ذلك لا أحد من قادة "الإخوان" أو أعضاء مكتب إرشادها قال، كفى عبثاً، ولا أحد من رموزها نبّه إلى أن الصدام مع الجيش خسّر الجماعة ما تبقى لها من علاقات مع قوى أخرى داخل مصر وربما خارجها أيضاً، ولم يخرج بيان عن أي شخص "إخواني" لينأى بنفسه عن الغرق في مزيد من الكثبان السياسية، لكن المدهش أن الجماعة التي فقدت التأييد الشعبي تعتقد أن في إمكانها إسقاط الحكم الحالي ببضع شائعات وكثير من الفبركات وقدر من الشتائم على مواقع التواصل الاجتماعي أو الحوائط والجدران!
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم