إعلان

أن يكون ولدك فريداً في بلدٍ يزكّي ثقافة المقارنة

المصدر: النهار العربي
سمير قسطنطين
تعبيرية
تعبيرية
A+ A-
 أنّى توجّهتَ والتقيتَ الناسَ تسمعُ عباراتٍ مثل هذه: "فلانة حلوة بس مش متل إختها"، أو "فلان إلو طلّة، بس لو بتشوف أخوه". الأهل، وفي مرّات عديدة يركبون موجة المقارنة بين الأولاد. يقولون مثلاً للولد الأقل "شطارةً" في المدرسة عبارات مثل هذه: "خيّك قد إيدك وعلاماتو أعلى منّك"، أو يقارنونه بصديقه فيقولون له: "مِش عم إفهم ليش فلان بدّو يجيب علامات أعلى من علاماتك"، ويكملون قائلين: "يعني هوّي أشطر منّك أو بيدرس أكتر منّك"؟ تحضر إحداهنّ عُرساً. يقول لها شخصٌ ما همساً: "مبَيْنة أحلى من العروس". لا يقول لها: "مبينة حلوة"، بل يقارن جمالها بجمال العروس. 
 
ينسحب هذا الأمر على السياسيّين الذين يقارنون أنفسهم بخصومهم. فمثلاً تسمعهم يقول: "نحنا مش متل هوديك فاسدين، نحنا نضاف". لا يكتفون بقولهم عن أنفسهم إنّهم نظيفو الكف، بل يصرّون على المقارنة بالآخرين.
 
في القرية التي تتحدّر منها، تبني لكَ منزلاً. يسمعكَ أحدُهم تقول: "بيتي أجمل بيت بالضيعة". أنتَ لا تقول: "بيتي جميل" وحسب، بل تُقارن جمال بيتِك ببيوت الآخرين. 
نربّي أولادنا في كثيرٍ من المرّات على ثقافة المقارنة. الأمر قد يبدو مفيداً أحياناً، خصوصاً إذا استعملناه نحن بطريقةٍ تحفيزيّة، فنروي لأولادنا قصص نجاح الآخرين من أولادٍ في مثل سنّهم، ونُنهي كلامنا بكلامٍ من مثل هذا: "وأنتَ أيضاً تستطيع أن تكون لكَ قصّة نجاح". في حديثٍ مثل هذا مع أولادنا، من المفيد أن نؤكّد لهم أنّهم جميلون كما هُم، ومجتهدون كما هُم، وأنّ شخصيّاتهم جميلة كما هي، مع التأكيد دوماً أنّ هناك فرصة للنموّ. 
 
إذا كُنا أهلاً مثقّفين وناضجين، نطلبُ من أولادنا أن يكونوا "أنفسَهم" فلا يقلّدوا الآخرين، وأن يقبلوا أنفسهم. لكنّ ذلكَ يحصُل في بلدٍ يقارن الناس أنفسهم بالآخرين. يقارنون بيوتهم وسيّاراتِهم وزوجاتِهم في بعض المرّات وأزواجهم وثرواتهم وأولادهم بما لدى الآخرين. حتّى إنّنا في تراثنا الشعبي نضحكُ ونحن نقول على سبيل الدعابة "بيِّي أقوى من بيّك". 
 
في زمن السوشال ميديا هذا، يقارن الناس عدد "اللايكات" التي ينالونها على "بوستٍ" معيّن بعدد "اللايكات" التي ينالها سواهم. قد تضحك لكن هذا ما يحصل في زمن التنافس والمقارنة. فمثلاً يقارن فنّانٌ ما، ومن على شاشة التلفزيون، عدد المشاهدات أي الـ Views لأغنيته على اليوتيوب بعدد المشاهدات التي ينالها فنّانٌ آخر.
 
مقارنة أنفسنا بالآخرين تُفيدنا في بعض الأحيان، فهي تسمح لنا بأن نحفّز أنفسنا للعمل نحو الأفضل، وفي أحيانٍ أُخرى تساعدنا على تثمين نِعَم الله علينا مثل قولنا: "يلّلي بيشوف مصيبة غيرو بتهون مصيبتو". هذا كلامٌ فيه مقارنة، لكنّه يُقال إيجابياً.
 
المشكلة هي عندما نقارن أنفسنا بالآخرين فنشعر بعدم الرضا، ومن الممكن أن يتحوّل هذا الشعور مع مرور الوقت إلى غيرةٍ وحسدٍ ورغبةٍ في الأذيّة، كما أنّ من الممكن أن يتحوّل إلى نوعٍ من رفض أنفسنا لأنفسنا، فنشعر بإحباطٍ دائم، وخصوصاً في كلّ مرّةٍ نلتقي فيها أحدَهم فيذكّرُنا بضعفنا بالمقارنة بقوّته هو. 
 
المقارنة التحفيزيّة جيّدة، أمّا المقارنة السلبيّة فسيّئة وخطرة، خصوصاً على أولئك الذين يُعانون أصلاً انخفاضاً في تقييم النفس أي Low self-Esteem. في هذه الحالة تأتي المقارنة فتُشعرُهم بأنّهم فعلاً بلا قيمة.
 
الموضوع هو في يد الأهل إلى حدٍّ كبير، وفي يد المعلّمين والمعلّمات بالدرجة الثانية. فالأهل الذين يُشعِرون الولد بأنّه مميّز حتّى في ضعفه، ويُظهرون له باستمرار كم هو جميلٌ كما هو، وذكيٌّ كما هو، وكم أنّ أفكاره هي موضع احترام عند الأهل، وعندما لا يُقارن الأهل ولدهم بأيٍّ كان، لا بإخوته وأخواته، ولا بالأصدقاء، فإنّما هُم يساعدونه على تقبّل ضعفه والفرح بما هو عليه. وعندما يتجنّب المعلمّون قول عبارات من مثل هذه للولد: "السنة الماضية خيّك كان عندي، ليش إنتَ مِشْ متلو"، فإنّهم يساعدون الولد على النموّ ولا يزرعون عداوةً مستقبليّة بينه وبين أخيه.
 
في هذه الثقافة المجتمعيّة، ثقافة المقارنة، تبدو معركتنا لتعزيز شعور الفرادة عند أولادنا معركةً شرسة، لكنّنا إذا عملنا عليها منذ الأيّام الأولى للولادة، وواظبنا على فعل ذلك، وكان لنا الحظّ بأن تكون مدرسة أولادنا مدرسةً تعزّز الفرادة أي الـ Uniqueness، فأعتقد أنّنا نكون قد أعطينا أولادنا دفعاً كبيراً نحو النجاح والتفوّق من دون أن يقلقوا بسبب شخصٍ سجّل نجاحاً أكبر أو تفوّقاً أعلى.
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم